بعد أن قرأت المقال الذي نشرته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في العدد الأخير من مجلة فورين أفيرز، قررت أن أضعه فورا في ملف القراءات التي أعدها لطلابي للعام الدراسي القادم. فالمقال يصلح للتدريس من أكثر من زاوية.
فهو نموذج عبقري لمناقشة كيف يؤدي التطرف الأيديولوجي بصاحبه إلى العمى بحيث لا يرى من الواقع إلا ما يتناسب مع الأيديولوجيا. ويمكن استخدامه أيضا لتدريب الطلاب على كيفية التقاط التناقض في منطق النص، فضلا عن المقارنة بينه وبين الواقع كون صاحبته تتولى مسؤولية سياسية رفيعة.
والمقال يناقش الاستمرارية والتغير في تعريف الولايات المتحدة لمصلحتها الوطنية بعد أحداث سبتمبر. وأطروحته الرئيسية هي أن الذي لم يطرأ عليه تغيير بعد 11 سبتمبر كان إيمان أميركا بأهمية علاقتها بالقوى الكبرى لنجاح سياستها الخارجية. أما الجديد في رؤية الولايات المتحدة لمصالحها فهو أنها صارت تربط بين ما يحدث داخل الدول وما يحدث بينها، الأمر الذي فرض المزج بين الواقعية والمبادئ الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
وسوف أطلب من طلابي إخضاع ذلك التشخيص للدراسة. فالمثير فيه هو أن أيا منهم عبر إجراء بحث قصير يستطيع الوصول إلى عكس أطروحة الوزيرة بالضبط. فلعل إدارة بوش هي أكثر الإدارات الأميركية على الإطلاق التي تعرضت فيها العلاقات الأميركية بالقوى الكبرى لتوتر حقيقي. فقد تعاملت تلك الإدارة مع حلفاء أميركا قبل خصومها بغطرسة مذهلة. وصلت إلى حد السخرية منهم وانخفضت شعبية الولايات المتحدة في العالم كله.
فالوزيرة أسقطت من ذاكرتها أن دونالد رامسفيلد كان قد أطلق على ألمانيا وفرنسا- بمناسبة معارضتهما لغزو العراق- تعبيره الشهير «أوروبا القديمة» التي اعتبر أنها قد عفا عليها الزمن، مقابل أوروبا الجديدة التي أيدت الإدارة طبعا، وأن جون بولتون لم يتورع عن الاستهانة بالدول الاسكندنافية واصفا إياها «بدول الشيكولاتة».
ويمكن للطلاب بسهولة أن يجمعوا معلومات تؤكد أن الإدارة لم تكن تؤمن بأهمية العمل مع القوى الكبرى وانما اتبعت منهج الأحادية في العلاقات الدولية ليس فقط بشأن غزو العراق وانما بشأن سلسلة من القضايا ليس أقلها موضوع الاحتباس الحراري.
أما الجزء الثاني من أطروحة الوزيرة الخاص بالمزج بين الواقعية والديمقراطية فهو ما لا يوجد عليه دليل من واقع سجل إدارة بوش ولا حتى في خطاب الوزيرة نفسها، إذ سرعان ما ناقضت نفسها. فهي أفردت جزءا خاصا للعلاقة مع كل من روسيا والصين مرت فيه مرور الكرام على قضية الديمقراطية في حالة روسيا بينما تجاهلت القضية بالكامل في حالة الصين.
ثم استطردت تشرح ضمنيا لماذا يجب على أميركا أن تغض الطرف عن الديمقراطية في علاقتها بالدولتين. فقد قالت ان «علاقتنا بروسيا والصين معقدة وتتسم بالتعاون والتنافس في آن واحد. غير أنه في غياب العلاقة مع الدولتين لا يمكن للدبلوماسية أن تنجح في حل الكثير من المشكلات الدولية». القضية إذن لا علاقة لها بالمبادئ ولا بالديمقراطية ولا يحزنون. فأميركا ببساطة تحتاج للصين وروسيا في قضايا دولية كثيرة ولا تريد استعداءهما.
لكن الوزيرة بعد فقرات معدودة، وفي لحظة صدق نادرة مع النفس تنفذ إلى جوهر الموضوع فتقول «رغم أن قدرة الولايات المتحدة على التأثير على الدول القوية محدودة إلا أن قدرتنا على دعم التحول السياسي والاقتصادي في الدول الضعيفة أو التي تعاني من سوء الحكم كبيرة».
وأنا على يقين من أن طلابي سيدركون مغزى هذه العبارة وسوف يدفعهم حماس الشباب فورا إلى نقاش واسع حول ما إذا كان السبب وراء غزو العراق واحتلاله هو أن إدارة بوش كانت تعتبره فعلا تهديدا لأمنها القومي- كما زعمت - أم أنها اعتبرته الحلقة الأضعف في النظام العربي التي يمكن من خلالها النفاذ لتحقيق هدفها الأساسي وهو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على نحو يضمن الهيمنة الأميركية.
أما ما قالته الوزيرة عن العراق فهو نموذج فج للتلفيق السياسي. فالوزيرة لها تصريحات موثقة في فترة الإعداد للحرب تحدثت فيها عن أسلحة الدمار الشامل كسبب لغزو العراق ووعدتنا بإقامة ديمقراطية هناك لتكون نموذجا يحتذى يقلب موازين الشرق الأوسط.
لكنها في هذا المقال تقول بثقة من يعتبر أن العالم فاقد الذاكرة أن الإطاحة بنظام صدام حسين «لم تكن من أجل دمقرطة الشرق الأوسط وانما لأنه مثل تهديدا مستمرا للأمن الدولي». لاحظ طبعا أنها لا تتحدث عن «الأمن الأميركي» وانما الأمن «الدولي».
وحين فسرت ذلك التهديد، تحدثت عن فشل سياسة الاحتواء والعقوبات التي اتبعت ضد العراق وأن صدام كان على «على استعداد لأن يحيي برنامج أسلحة الدمار الشامل بمجرد أن يتلاشى الضغط الدولي» أي والله : مستعد ليحيي البرنامج، وليس لأنه كان يمتلك الأسلحة كما قالت لنا الوزيرة بنفسها قبل الحرب!
لكن العمى الأيديولوجي يجعل الوزيرة تعتقد بالمناسبة أن ما يحدث في العراق يسهم فعلا في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. ودليلها على ذلك سياسة المحاور، أي تقسيم المنطقة إلى محور اعتدال يناهض محور الراديكالية. وهي لا ترى أبدا أي دمار ولم تقع عيناها إلا على إنجازات إدارتها. فهي بالمناسبة ترى أن في أفغانستان ديمقراطية وليدة لا أن طالبان تسيطر على أكثر من ثلثي البلاد.
وقد عقدت العزم، عزيزي القارئ، على أن أرفق لطلابي مع هذا المقال مقالا كانت قد كتبته الوزيرة للمجلة نفسها في عام 2000، ليقرأوا بأنفسهم قصة طريفة. فهي في مقال 2008 تذكرنا بأنها في مقال عام 2000 انتقدت بشدة أن تتولى بلادها ما يسمى «ببناء الدول» لكنها رأت اليوم في 2008 أنه «قد صار واضحا بما لا يدع مجالا للشك «اننا سوف نقوم بتلك المهمة لسنوات طويلة قادمة».
بعبارة أخرى، تقول الوزيرة للعالم بكل صلف انسوا ما كنت قد قلته لكم في 2000. لكن عليكم أن تصدقوني هذه المرة في كل ما أقول هنا كما صدقتموني من قبل في كل المرات التي قلت فيها كلاما اتضح أنني لم أكن أعنيه!
كاتبة مصرية
