عِشق الكويتيين ـ بل العرب جميعاً ـ للقاهرة لا حدود له، فرغم ازدحامها بملايين البشر واكتظاظ شوارعها وحواريها بمئات الألوف من السيارات، بدءاً بتلك الصالونات المتهالكة التي بالكاد تتحرك إلى أحدث موديلات المرسيدس، وتلك «الميكروباصات» التي لا تعير لنظام السير أدنى اعتبار، إلى الشاحنات الكبيرة التي تهدر على «المحور» و«الدائري» بل وربما دخلت «بالعافية» إلى الشوارع الضيقة.
إلى «عربات الكارو» التي ما زالت في «الخدمة» وكأن عصر المواصلات الحديثة لم يطرق آذانها، أقول رغم هذا مضافاً إليه التلوث الكثيف الذي يلف سماء القاهرة فيحول القميص الأبيض إلى رمادي، فإن عامة العرب وعلى الأخص «الخلايجة» منهم وبالذات الكويتيين من هؤلاء مغرمون بالقاهرة.
وبالطبع، فإن كاتب هذه السطور ينطبق عليه ما ينطبق على العرب بعامة، و«الخلايجة» بخاصة، وأهل الكويت بخاصة الخاصة - إن جاز التعبير.
ويقيناً أن العرب بعامتهم يعتبرون القاهرة عاصمتهم، وهي بحق كذلك، فلا توجد عاصمة عربية تستطيع المنافسة في شعور العربي أنه في وطنه الثاني بل وربما الأول، فالقاهرة تبزهم جميعاً من حيث احتضانها وتمثيلها للثقافة العربية، وتنوع الحياة فيها مما يرضي كل الأذواق ويشبع ويلبي تنوع الرغبات على اختلافها وتباينها.
فهذه هي القاهرة القديمة بمساجدها وقبابها وآثارها القبطية والإسلامية، وبأسواقها العتيقة المتخصصة «بالنحاسيات» و«الفضيات» المتقنة الصنع، فضلاً عن مقاهيها الشعبية منها والمعدلة كمقهى نجيب محفوظ المجاور «لسيدنا الحسين»، وهي كلها عامرة بالرواد ولله الحمد، ويجد فيها مرتادوها متعة السمر مع جو مليء بعبق التاريخ فضلاً عن حلويات أصيلة «كأم علي» تمتد عميقاً في عمر الزمن.
وهذا هو النيل العظيم هبة مصر «بكباريه» (جمع كوبري) وكورنيشه الذي يعتبر مقصداً للمتنزهين والذي امتلأ بالكازينوهات والمطاعم الفخمة من كل الجنسيات، وهذه هي الفلك (جمع فلوكة كما قال لي أهلها) وهي تمخر عبابه ليستمتع ركابها بمناظر النيل الخلابة في ليالي الصيف الجميلة.
ثم لا ننسى المكتبات، ولا داعي لذكر أسمائها، والتي هي مقصد قراء العربية من جميع أقطارها، والمتاحف المتخصصة بالعصور التي مرت على القاهرة بوجه خاص وعلى مصر بوجه عام، ثم أهراماتها العظيمة التي تقاوم الأزمان والدهور وغيرها الكثير. وهذا التنوع كله تحتويه مدينة واحدة.
وقد فقدت القاهرة جذبها للسائح الأجنبي دون العربي، فقد ظهرت أماكن أخرى في مصر باتت أكثر إغراء لهؤلاء كشرم الشيخ والغردقة ومرسى علم وغيرها أو السياحة النهرية التي تأخذ السائح إلى الأقصر.
وهذا النوع من السياحة، بالذات تلك القاصدة إلى الأماكن البحرية تجعل احتكاك السائح الأجنبي بالشعب المصري محدوداً في حين أن السائح العربي، الذي يعشق القاهرة، يذوب بشعبها ويتفاعل معه ويختلط به على كل المستويات، دون أن يشعر أنه غريب، مما يوطد أواصر المحبة ويقوي من العلاقات العربية على مستوى الشعوب.
ومن بين العرب من يقضي فترات طويلة في القاهرة بالذات في الإجازة الصيفية التي تمتد إلى شهور ثلاثة، وأغلب هؤلاء من المالكين لشقق أو فلل في أحياء القاهرة المختلفة، وليس عدد هؤلاء محدوداً، بل يعدون بالألوف المؤلفة.
ولعل تفضيل كثير من العرب المقتدرين من أفراد الطبقة المتوسطة بالتملك في القاهرة قد دفع الكثير من الشركات العقارية الخليجية في التسابق مؤخراً إلى الاستثمار في الأراضي والعقارات وفي بناء المدن الجديدة التي أخذت تحيط بالقاهرة كحزام يلتف حولها.
ودخول الشركات العربية والخليجية بالذات في تطوير المدن لا شك أنه سيساهم في حل مشكلة الكثافة السكانية في القاهرة، وهي تتوافق مع خطة الحكومة المصرية بتخفيف عدد سكان العاصمة عبر إنشاء المدن المحيطة بها وعلى وجه الخصوص على الأراضي الصحراوية حيث تم منع التوسع على الأراضي الزراعية في وادي النيل.
وقد يؤدي هذا التوجه في بدايته إلى آثار اقتصادية سلبية كارتفاع الأراضي، بيد ان آثاره العامة إيجابية كتشغيل العمالة الوطنية وشراء المواد الأولية من السوق المحلي وزيادة المعروض من الوحدات السكنية فضلاً عن التخفيف من الاختناق السكاني في قلب القاهرة.
والقاهرة في متناول العرب جميعاً، فالحياة فيها معتدلة بحيث يستطيع أن يعيش فيها أصحاب كل الدخول، أو لنكن أكثر دقة، فأبناء الطبقة المتوسطة العربية بإمكانهم أن يجدوا لهم موضع قدم في فنادقها وشققها أو في الرحلات السياحية الجماعية التي تقصدها.
فأين أسعارها بتلك الموجودة في الكثير من العواصم والمدن العربية والتي لا تمتلك مزاياها وتنوعها، رغم شكاوى أهلها من «الغلاء الفاحش».
وبالطبع الحديث هنا عن السائحين العرب الذين يمثلون طبقة ذات دخول تسمح لهم بالسفر.
أما ما يسبق هذا وذاك فهو لطف أهلها ـ والمصريون جميعاً ـ وحلاوة لسانهم وحسن معاملتهم للغريب واحتفاؤهم به، وشعور الغريب الغامر بالأمن والأمان في ديارهم.
كاتب كويتي
