أما وقد ثبت بالدلائل الدامغة أن التركيبة اللبنانية الحالية لا تجلب للبلاد سوى القلائل والاضطرابات- هذا إذا اعتمدنا الحد الأقصى من ضبط النفس لوصف ما وصلت إليه الأمور - فإن النتيجة الأكثر إقناعا في الوقت الحاضر لإحراز قدر معيّن من التطور في حلحلة العقد الماثلة تتجسد حسب رأيي بإحياء بعض الأهداف الضرورية التي قطعها على أنفسهم السياسيون اللبنانيون ، أو معظمهم، في اتفاقياتهم السابقة وأبرزها ما عرف باتفاق الطائف.
وقد تبدو الفقرة المرتبطة بإلغاء الطائفية السياسية والتي نص عليها الاتفاق الأخير، الأكثر جدوى خلال هذه المرحلة الدقيقة، التي تتسم بمظاهر خطيرة على الصعيدين المذهبي والطائفي. فلا تغرّنكم التصريحات التي يطلقها هذا السياسي أو ذاك بخصوص مشاعر التقدير والاحترام التي يكنّها لجماهير الطرف الآخر، لأنه لو كان في الحقيقة يختزن مثل تلك المشاعر لما استخدم نفوذه لبث حالة الغضب والكراهية في نفوس مناصريه الذين دفعهم، ولا يزال، لقتل أبناء وطنه وتعريضهم لأبشع أنواع الذل.
للأسف، أن الكراهية التي دأب السياسيون اللبنانيون على زرعها في نفوس المواطنين طوال الأشهر الكثيرة الماضية، لم تساهم إلا بصنع أشكال جديدة من الشخصيات التي تصطلح وسائل الإعلام على وسمها بصفة «القادة». إلا أنها لم تساهم بقيام الوطن الذي يشكّل المظلة الحقيقية للجميع، ولم تساهم بصون الإنجازات الكثيرة التي تحققت في مراحل مختلفة (كثقافة المقاومة والتحرير على سبيل المثال لا الحصر).
ولا أدري لماذا أصر البعض ولا يزال، على أن الطريقة المثلى لحماية هذه الإنجازات تتجسد بتشتيت حالة التضامن الوطني الشاملة التي أسّست لكل الانتصارات التي تحققت، وبتبديد الطاقات الهامة للشعب، وبوضع الحواجز الكثيرة بين أبناء الوطن من خلال تصنيفهم «بالوطنيين» و«الخونة»، مع إصرارهم في نفس الوقت على منح أنفسهم حق ممارسة سياسة التصنيف هذه دون أن يمنحوا ذلك الحق للآخرين.
والأهم من ذلك كله، لا أرى أي منطق يحتّم على أي كان مهما علا شأنه ، أن يسمح لنفسه بتمرير فورة غضبه السياسي والإيديولوجي من خلال إغلاق قناة تلفزيونية أو جريدة أو أية وسيلة إعلامية أخرى، لأنه بهذه الممارسة لم ينسف الأسس التي قامت عليها ثقافة المقاومة فحسب، بل طعن كثيرين في وجدانهم وضميرهم. كيف لا وهم في الحدود الدنيا باتوا يتساءلون مذهولين فيما إذا كانوا قد أخطأوا عندما قدموا كل الدعم الممكن لتلك الثقافة، في وقت كانت المقاومة بأمس الحاجة لهم.
لقد ترسخّت حالة الكراهية في عقول ونفوس المواطنين المنقسمين بين مذاهبهم وطوائفهم لدرجة أنه بات من الصعب محوها بسرعة. وتعمّقت بذور الشقاق بدرجات خطيرة دون أن ينتبه لذلك من يصفون أنفسهم بـ «القادة»، فوجد الوطن نفسه كالعربة التائهة أمام مفترق طرق صعب، تتقاذفها الرياح الإقليمية والدولية التي سمح لها اللبنانيون أنفسهم بأن تتحكم بمصائرهم، وبأن يكونوا الوقود الذي يشتعل لا من أجل صيانة مصالح الوطن وإنجازاته، بل من أجل الدفاع عن مصالح الدول الأخرى.
وأمام هذا الواقع المرير، وفي ظل ما نشهده من توترات مذهبية وطائفية طغت للأسف على بارقة الأمل المهمة المتجسدة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية وانطلاق العمل تدريجيا في المؤسسات الديمقراطية، يبدو بأن المطلوب في الوقت الحاضر هو اجترار بعض الشعارات والأهداف التي سبق أن تحدثنا عنها، لأنها قد تكون منطلقا مقبولا لإطلاق ذلك الحوار الجدي الذي يطمح إليه اللبنانيون ويسمح ببدء عملية بناء وطن حقيقي متحرر من كافة القيود المتخلفة والصعبة.
وبرغم عدم مثاليته، فإن اتفاق الطائف وضع الأسس الأولية لإطلاق عملية الحوار المذكورة، حيث دعا في إحدى فقراته البارزة لإلغاء الطائفية السياسية، باعتبارها «هدفا وطنيا أساسيا يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية.
تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، وتكون مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية».
لقد ذهب هذا الاتفاق إلى تحديد بنود تفسيرية حول كيفية عمله في ما سمي المرحلة الانتقالية، بحيث يتم خلالها «إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة».
ويبدو من التطورات الأخيرة في لبنان، بأن ما تم تحقيقه من هذا البند ينحصر في الشق المتعلق بإلغاء ذكر الطائفة والمذهب في بطاقة الهوية فقط ، في حين بقيت الأمور الأخرى المرتبطة بهذا الموضوع الحساس حبرا على ورق، ولم يتجرأ السياسيون حتى يومنا هذا على إجراء مقاربة مسؤولة في الشق الطائفي تساعد على نقل لبنان من مرحلة التخلف التي يعيشها، مع كل الاحترام والتقدير لجميع الطوائف، إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما وتطورا، يصبح فيها المواطن مواليا للوطن بأكمله، لا إلى هذه الطائفة أو تلك أو هذا الزعيم القبلي أو ذاك.
لا شك بأن رئيس الجمهورية المنتخب حديثا مطالب اليوم بأن يكون المظلة التي بها يتظلل الجميع، ومدعو قبل أي وقت مضى بأن يكون عرّاب الحوار الجدي والبنّاء المفترض منه أن يحقق نتائج فعلية وعملية يفيد منها الوطن وأهله. أما السياسيون، فمدعوون لتحقيق وقفة عز حقيقية لمصلحة الوطن الذي يقف أمام معادلة بسيطة جدا : فإما يكون أو لا يكون.
كاتب لبناني
