منذ الغزو الأميركي للعراق والتقارير تتأرجح بين ما يثير التفاؤل من جهة والتشاؤم من جهة أخرى. تفاؤل من الجهات الغازية والمحسوبين عليها وتشاؤم من قبل الجهات المقاوِمة للاحتلال جملة وتفصيلاً، والعكس بالعكس.

تتركز وجهات النظر المؤيدة للاحتلال وطموحاته على تدمير الجيش العراقي السابق واعتقال قياداته وتشتيتها وإعدام وقتل بعضها. هذا إلى جانب اغتيال أعداد كبيرة من الكفاءات العراقية التي حُسبت على النظام السابق بطريقة أو بأخرى.

أمور تصب في خانة الخصوم السياسيين لنظام الحكم السابق وتوجهاته القومية والعلمانية والمركزية في الحكم والسلطة وتوزيع الثروات الطبيعية للعراق. الجهات الممانِعة للاحتلال تعوّل في تفاؤلها على المقاومة العراقية بأجنحتها العسكرية والسياسية والمدنية والرأي العام الدولي.

في ذلك، ورغماً عن الخسائر الهائلة، سيؤدي الأمر في النهاية إلى طرد المحتل الأجنبي أسوة بما حدث مع حركات تحرر عالمية أخرى سبقت أو لا تزال في طور الكفاح المصيري الشاق العنيد. لكن نظرة على الوضع الحالي في محاولة تقييم حيادية قدر الاستطاعة لنجد أن الخسائر الأميركية على ضخامتها لا تعتبر نسبة تذكر في الميزانية الأميركية العامة.

بالذات الأسلحة المستعملة من طائرات وسفن وعربات أرضية وعتاد كانت جميعاً مكدّسة تنتظر في مخازن ومستودعات الترسانة الأميركية لتوجيهها للخصم التقليدي المتمثل بدول حلف وارسو. الخسائر المالية الأميركية الضخمة كما تبدو للدول في العالم الصناعي، عدا عن العالم النامي، يمكن تعويضها بسهولة وسرعة؛ بالذات من النفط العراقي الذي يتم تهريبه إلى هذا المرفأ النفطي السري أو العلني أو ذاك.

في هذا الصدد على المرء الفضولي أن يبحر عبر الشواطئ العربية الملاصقة للخليج العربي وبحر العرب وبدرجة أقل البحر الأحمر وربما المتوسط، أو أن يسأل الخبراء. على المدى البعيد وبعد الاستقرار المنشود للأوضاع في العراق فإن الأرباح الأميركية المتوقعة تبدو من الضخامة حتى في نظر أصحاب العقليات الإستراتيجية والجيوب فلكية السعة.

منذ البداية تم اختيار العراق بشكل خاص للغزو بسبب ضخامة موارده الطبيعية وقدراته البشرية وملاءمة طبيعة أرضه ومناخه لاستقرار التواجد الأميركي المنشود فيه لفترة طويلة. هذا إلى جانب قضايا أخرى سياسية وإستراتيجية عادة ما تكون من اختصاص الدول الاستعمارية التقليدية.

التوجه الأميركي إلى العراق مشابه لذلك الذي حصل اتجاه ألمانيا واليابان عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. الدولتان المهزومتان في الحرب غنيتان بالموارد الطبيعية والقدرات الذاتية البشرية. كان من السهل الزعم أن التنمية والتطور الحاصل هو بسبب التوجه الأميركي ذي النوايا الطيبة الخيّرة.

حقيقةً للعراق مستقبل ريادي في المنطقة إذا ما تبنته الإدارة الأميركية، ونجحت فيه بالرغم من طيشها وصلفها، من الممكن أن يصبح أنموذجاً للغير. يمكن تعميم هذا الأنموذج على أجزاء أخرى في مشروع ما يُعرف بالشرق الأوسط الكبير الفاشل حتى الآن. في ذلك يحلم الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن في أن يكون بطلاً أو ريادياً تاريخياً.

التكلفة العربية لاحتلال العراق عالية وتتخطى احتلال الأرض والإنسان المباشر واستباحة المحرمات والممنوعات والتلاعب بالتاريخ والمصير. تذهب التكلفة العربية بعيداً إلى حد الخسارة النفسية والمعنوية وضرب جذور وعمق الثقافة العربية الإسلامية. البنية التحتية الثقافية العراقية كواحدة من أقوى البنيات العربية معرضة بشكل واسع للهيمنة الأميركية عبر التدخل السافر في المناهج التعليمية للأجيال.

قضية التبادل الثقافي بين الطرف العراقي الضعيف والأميركي القوي المسيطِر من شأنها أن تدمر استقلالية ذلك الجزء من العالم العربي في التفكير والإبداع والإنتاج. الخسائر العربية غير قابلة للاسترداد حسب المفاهيم المنظورة بسبب الضعف العام الذي يصيب الكيانات العربية جملةً وتفصيلاً.

الشركات الأميركية في طليعة المستفيدين من حالة غزو العراق واستباحة شعبه ومقدراته. خلال الحرب وأعمال العنف المستعرة من كل حدب وصوب في ربوع العراق جنت الشركات الأمنية أرباحاً طائلةً ربما عوضت وأفاضت على الخسائر العسكرية المادية الأميركية المعلنة والمستترة. وصلت واردات الشركات الاقتصادية الأميركية وخاصة في مجال البحث والتنقيب واستخراج البترول وتكريره وتصنيعه إلى مستويات خيالية.

ذلك ما يجعل التفكير بأهمية الخسائر الأميركية أمر يثير الضحك أكثر من التفاؤل عند المقاومين للاحتلال في الداخل والخارج. إذا ما أوغلت الشركات الأميركية في تحقيق أحلامها في ذلك البلد الجريح والمنطقة حتى تصبح تضحيات بوش الابن بأبناء أميركا ما يستأهل مما يمكن أن تُعرف في القاموس السياسي الأميركي بـ «غنائم أو مكاسب الحرب».

ذلك ما قد يفسر المنهجية الأميركية في الإعلان عن الخسائر البشرية يوماً بيوم وأولاً بأولٍ وتضخيمها، بغاية ابتزاز حتى الحكومات العراقية المتعاقبة المنصّبة على رؤوس الشعب الذي يسبح في بحور دمائه. الخسائر الأميركية سواء أُوغل الوصف فيها أو تم تهميشها لا يجب أن تمنع المقاومة العراقية من المضي قدماً في سبيل التحرر من نير احتلال، مهما كانت وعوده وتطلعاته وطموحاته.

إذا ما كان العراق وثرواته تبرر التضحية الكبيرة من جانب الأميركيين فإن ذلك ما يحفز أكثر على زيادة المقاومة حتى خروج آخر جندي أو موظف أميركي محتل من أرض الرافدين. لا يوجد في القاموس الدولي البشري احتلال جيد وآخر سيئ. الأنكى من ذلك فالاحتلال الأميركي هو أبشع وأفظع أنواع الاحتلال.

ثبت ذلك بالدليل القاطع بعد أكثر من خمس سنوات من القتل والدمار والفظائع الحربية المرتكبة. حمايةً للعراق وأهله واستقلاله على كل العراقيين والشعوب عبر العالم العمل على وقف ذلك الاحتلال. ذلك حفاظاً على المشاعر والأحاسيس والعواطف والفكر والمنطق الإنساني الناضج النبيل الذي يرفض العدوان واستباحة حقوق الآخرين؛ مهما تكن نتائج الاحتلال المتوقعة من حسنة كما قد تبدو للبعض وغاية في السوء والنحس كما هي في حقيقة الأمر.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae