تتأرجح حياة الأمم بين فترات القوة والضعف، لذا عليها الاستفادة منها دون المبالغة والتفريط وإيذاء الشعوب، سواء كانت هذه الفترات اقتصادية أو سياسية أو غيرها، وهذه هي الحال كذلك بالنسبة للشخص العادي، فالإنسان إذا لم يحافظ على صحته قد يضعف ويمرض وتتدهور صحته، وبالتالي لن يعود عضواً فاعلاً وهو في عز عطائه، وكذلك الحال بالنسبة للمال، فالإنسان إذا لم يستثمر ماله بالشكل الصحيح، فإنه قد يخسر، ومن ثم يفقده إلى الأبد.

وفي كل الأحوال، على الإنسان أن يجتهد ويعمل ليحافظ على النعم التي أنعم الله بها عليه، لأن ما يضيع لا يمكن استرجاعه، والتاريخ خير شاهد على ذلك. ففي القرون الوسطى كانت الدولة الإسلامية أقوى دولة على الكرة الأرضية، كما كانت الدولة الأموية في الأندلس مثالاً للتقدم في مجالات عديدة، ووصولها إلى القمة لم يكن أسوأ ولا أصعب من انحدارها. هذه المقدمة كان لابد منها قبل الدخول إلى موضوعنا اليوم.

ففي رحلة بالطائرة تعرفت على شخص كان يجلس بجانبي سألته من أين؟.. قال من جزيرة نورو: فسألته مستغرباً لعدم سماعي بها من قبل أين تقع؟.. قال في المحيط الهادئ تقريباً بين أستراليا وجزيرة هاواي، وهي أصغر جمهورية في العالم وكانت مستعمرة بريطانية واستقلت عنها بالاتفاق مع استراليا عام 1968.

وبسبب جهلي بوجود دولة اسمها «نورو» كان أول ما فعلته عند رجوعي هو البحث عن معلومات عنها في مواقع مختلفة عبر شبكة الإنترنت وما وجدته أشبع فضولي، «نورو» جزيرة تقدر مساحتها بـ 21 كيلومتراً مربعاً، عدد سكانها حوالي 14 ألف نسمة، اكتشفت بداية القرن الثامن عشر على يد قبطان باخرة ركاب بريطانية، وهي أصغر جمهورية في العالم، وأول دولة ليست لها عاصمة رسمية.

وعلى الرغم من صغر حجمها وقلة عدد سكانها، إلا أنها كان لها دور في الحربين العالميتين، حيث كانت تابعة لألمانيا في الأولى ومحتلة من اليابان في الثانية، أصبحت عضواً في الأمم المتحدة عام 1999 ولها مندوب دائم فيها، وحسب ما ورد في أحد المواقع فالدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان لهما علاقات دبلوماسية معها هما دولة الإمارات ومصر.

ويقول أحد الكتاب على أحد المواقع باللغة الإنجليزية إن «نورو» هي الجزيرة الوحيدة في العالم التي تستطيع أن تقطع مساحتها كلها بالدراجة وقبل الإفطار لصغر حجمها، ويضيف انه ركب دراجة هوائية ليكشف ساحل الجزيرة فقطع مساحتها كلها في ساعة ونصف الساعة. فالزائر في «نورو» لن يحتاج إلى سيارة لأنه لا يوجد بها إلا شارع واحد، والسرعة محدودة بـ 25 كلم/ ساعة.

ومع أنها جزيرة صغيرة، لكن «نورو» كانت من أغنى الدول ودخل الفرد فيها هو الأعلى في العالم، وذلك منذ استقلالها وحتى 1991، نتيجة احتوائها على مخزون مهم من الفوسفات النقي والذي يعتبر الثروة الوحيدة على الجزيرة، تم اكتشافه عام 1900، وبدأ استغلاله عام 1906، من قبل شركات تابعة للدول التي توالت على احتلال «نورو»، وبعد استقلالها بسنتين أي عام 1970، انتقل التصرف في هذه الثروة إلى السكان الأصليين، وهذا ما جعل مستوى دخلهم الأعلى في العالم.

ولأنهم لم يقدروا هذه الثروة، ولم يستغلوها بشكل جيد تحولت الجزيرة في فترة وجيزة إلى صحراء قاحلة، والسبب أنه خلال سنوات الرخاء القليلة بدأ سكان الجزيرة يبعثرون ثرواتهم في غير مكانها، وحتى أنهم لم يسعوا إلى إيجاد بدائل دخل أخرى قبل أن تنفد ثروتهم الطبيعية الوحيدة، بل أنفقوا أموالهم في السفر، وشراء الكماليات دون حدود أو ضوابط.

فعلى سبيل المثال شراء سيارات غالية الثمن بالرغم من عدم وجود شوارع، إلا شارعا واحدا، وبددوا ثرواتهم في متع الحياة وملذاتها وتركوا أعمالهم وبدأ الكسل يدب في أوساطهم حتى أصبحت «نورو» اليوم تشكل أعلى نسبة بدانة في العالم، حيث ان 90% من المواطنين البالغين يعانون من هذه المشكلة، وانتشار مرض السكري من النوع الثاني فيها يشكل أعلى نسبة في العالم، إذ يعاني منه حوالي 40% من عدد السكان.

وهذا ليس بغريب على دولة لم تعرف كيف تحافظ على ثروتها ولم تعمل على خلق موارد اقتصادية جديدة، واعتمدت على جلب كل احتياجاتها من الخارج، بما فيها جلب العمالة من جزر المحيط الهادئ المجاورة لتحل محل العمالة المحلية، وتقوم بالأعمال التي لم تعد للمواطنين رغبة في أدائها بعد أن أصبحوا من أصحاب الثروات، فمنهم مثلاً من استأجر طائرات خاصة للذهاب للترفيه والتسوق في هاواي وفيجي وسنغافورة، وهم الذين لم يغادروا الجزيرة طوال حياتهم.

أما حاليا، كما يقول الكاتب، فإن أهالي الجزيرة يعيشون حالة فقر وبؤس، وأصبحت الدولة تعتمد على مساعدات من استراليا، حتى أنها اضطرت إلى بيع بعض ممتلكاتها هناك لدفع دين الطائرة الوحيدة التي تمتلكها خطوط طيران «نورو».

وفي الانتخابات الأخيرة، وعد الرئيس الجديد، وهو بطل سابق لرفع الأثقال، مواطنيه بتحسين أوضاعهم مع أنه اعترف أن الأوضاع المعيشية لن تعود كما كانت في السابق، «فنحن الآن وقعنا في حفرة وسنعمل بجهد لكي نخرج منها، لكن بكل تأكيد عهد الرفاهية والبحبوحة قد ولى».

هذا ما ورد في موقع بي بي سي «BBC» عن أصغر جمهورية في العالم، والعهدة على الراوي. جمهورية صغيرة وغنية تنتقل في فترة وجيزة إلى دولة فقيرة، لأنها لم تستطع السيطرة على رغباتها ولم تقدر تحولات الزمن.

كاتب اماراتي