من لا يملك الحق في الغذاء لا يملك الحق في الحياة.. ومن لا يملك قوتَه لا يملك قوَته..ومن لا يملك قوَته لا يملك قراره.. ومن لا يملك هذه الضرورات يفقد حقوقه كإنسان للعيش بأمن وحرية وكرامة. و السؤال الكبير الذي يبقى باحثا وبإلحاح عن إجابة، هو السؤال الذي طرحه الدكتور جاك ضيوف مدير عام منظمة (الفاو) في القمة العالمية للغذاء في روما فيما يشبه الصرخة الاحتجاجية بقوله: «في حين أنفق العالم عام 2006 ما مقداره 1200 مليار دولار أميركي على الأسلحة.
وفي حين قد تصل قيمة الغذاء المُهدَر في البلد الواحد إلى 100 مليار دولار.. وبينما يبلغ الاستهلاك الفائض المسبِّب للبدانة في العالم 20 ملياراً.. فكيف لنا أن نوضِّح لأصحاب الحسّ السليم والنيّة الطيبة أنه تعذّر علينا تدبير 30 مليار دولار سنوياً لكي يصبح في إمكان 862 مليون جائع امتلاك أكثر حقوق الإنسان الأساسيّةً: أي الحقّ في الغذاء ومعه الحقّ في الحياة؟ !!».
هذا السؤال يجعلنا نتساءل أيضا.. ما معنى أن تنفق الدول الكبرى على إنتاج الأسلحة ما يفوق بكثير ما تنفقه على إنتاج الغذاء، وما معنى أن يتسابق الصغار على شراء ما ينتجه الكبار من سلاح بأضعاف ما يشترون به الغذاء لشعوبهم.. وما معنى أن ينقسم العالم إلى قسمين شمال غني يموت الناس فيه من التخمة وأمراض الغني وجنوب فقير يموت الناس فيه من الجوع وأمراض الفقر ؟!
وهل من المعقول مثلا أن نرى إخواناً لنا من البشر يموتون كل يوم من الجوع والفقر بسبب أزمة الغذاء وسياسات الحروب الاستعمارية حول العالم، وكل ما يتطلبه حل هذه الأزمة من الأموال عالمياً لا يتعدى ثلث تكلفة الحرب على العراق ؟!!
أليس هذا جنونا.. أليس إنفاق البلايين على إنتاج وشراء الأسلحة لصناعة الموت بإشعال الحروب المدمرة والتقاعس عن إنفاق الملايين على إنتاج وشراء الغذاء لزراعة الحياة بتوفير الحبوب المعمرة هو الشر بحد ذاته إن لم يوصف بالجنون ؟!
أليس من علامات السلوك الإجرامي المجنون أيضاً اتجاه بعض الدول الكبرى كالولايات المتحدة لوضع استراتيجيتها للطاقة بالاعتماد على تحويل الحبوب إلى «وقود حيوي «إيثانول»، ليكون بديلا عن النفط، بل بالدعوة إلى تشكيل منظمة لمنتجي الإيثانول منافسة لمنظمة الأوبك؟!
هذه هي المسألة الكبرى التي تواجه الإنسانية اليوم والتي تشير إلى حالة من جنون القيادة على قمة العالم، وهذا هو التحدي الأكبر أمام البشرية الذي يستدعي ضرورة المواجهة الشعبية العالمية لوقف ما تنفقه الدول الصناعية الكبرى في العالم بالقيادة الأميركية من آلاف البلايين من الدولارات على إنتاج الأسلحة وإِشعال الحروب لصناعة الموت، بينما تضن على الإنسانية بمئات الملايين من الدولارات لإنتاج الغذاء وزراعة الحبوب لصناعة الحياة.
وهى كلها علامات مع غياب العقل الإنساني والسياسي والعدل الاقتصادي والاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية والقانونية تنذر بانزلاق العالم إلى السقوط في الهاوية ما لم تبادر شعوب وحكومات وعقلاء وحكماء العالم بتشكيل «تحالف عالمي من أجل الحياة» للعمل على تأكيد مبادئ العدالة الإنسانية، ووقف مشاريع الحروب والعمل من أجل السلام، ولمكافحة السباق على صناعة التسلح والموت وإطلاق السباق على زراعة الغذاء والحياة.