لا الأحزاب التقليدية ـ على صعيدي الحكم والمعارضة ـ ولا المؤسسة العسكرية في باكستان تستطيع أن تدعي بأنها تمثل الشعب الباكستاني ومصالحه وشكاواه وتطلعاته. وحدهم عشرات الآلاف من القانونيين وأنصارهم الذين خرجوا في مسيرة تاريخية بالسيارات قطعت أكثر من مئتي كيلو متر حتى وصلت إلى العاصمة إسلام أباد هم الذين بوسعهم أن ينسبوا إلى أنفسهم مثل هذا الادعاء. المسيرة موجهة بالتحديد ضد الرئيس برويز مشرف.

ويطالب المشاركون ليس فقط بإقصائه عن السلطة بل بتقديمه أيضاً إلى محاكمة. لكن لا أحد في قادة المسيرة يتحدث عن البديل السلطوي، لكن من الواضح بالطبع أنه في حالة خروج الجنرال من السلطة فإن من شأن هذا التحول تقوية وجود الحزبين الكبيرين التقليديين ـ «حزب الشعب الباكستاني» بقيادة آصف زرداري وحزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية» بزعامة نواز شريف ـ في سدة الحكم.

لكل من هذين الحزبين تاريخ طويل في ممارسة السلطة وتبادلها، لكن ليس بوسع أي منهما ادعاء إنجازات جذرية وشاملة تتجاوب مع آمال وطموحات الفئات الشعبية نحو حياة أفضل.. وذلك لأن أياً منهما لا يمثل هذه الفئات في حقيقة الأمر. حزب الشعب تنظيم أنشأته عائلة إقطاعية فلا هاجس له سوى خدمة مصالح الشريحة الإقطاعية الضئيلة. وحزب الرابطة هو حزب الشريحة الرأسمالية فلا يمثل سوى مصالح رجال الأعمال ورجال الصناعة.

ومن ناحية أخرى فإن الجنرال مشرف هو الحارس الأمين لمصالح المؤسسة العسكرية التي تعتبر تقليدياً دولة داخل دولة حتى ولو كانت خارج دائرة الحكم. بالإضافة إلى مطلب القانونيين بإقصاء الرئيس ومحاكمته فإنهم يطالبون أيضاً بإعادة زملائهم قضاة المحكمة العليا الذين أبعدهم. لكن إعادتهم إلى مناصبهم ستكون بداية نهاية. فسرعان ما سينظرون في المخالفة الدستورية التي شابت عملية انتخاب الجنرال رئيساً بواسطة برلمان مشكوك في شرعيته.

ومما لا شك فيه أن القضاة سيحكمون في هذه الحالة ببطلان العملية فيضطر الرئيس إلى مغادرة السلطة. استناداً إلى هذا السيناريو فإن غالبية الشعب الباكستاني البائس تصبح منذ الآن موعودة بعهد حزبي جديد كامل: عهد عودة الفساد وسوء الإدارة ونهب المال العام والرشاوى المصاحبة للصفقات الحكومية.

وكل ذلك بما يلائم مصالح شريحة الإقطاع الزراعي مع شريحة كبار التجار والسماسرة والصناعيين. هذا هو الفساد متعدد الجوانب الذي عندما يستشري ويطول أمده يعطي مبرراً لرجال المؤسسة العسكرية لقلب نظام الحكم إيذاناً بعهد جديد في الفساد.

opinion@albayan.ae