تقرير منظمة العفو الدولية، بخصوص اللاجئين العراقيين؛ يكاد يوازي مضبطة اتهام. الإصبع فيه، موجّه نحو أكثر من جهة. إلى المتسبب والمتفرج والمحلي. هذه المشكلة تفاقمت وازدادت، في بؤسها وتعقيداتها. تضافرت عوامل عديدة، لتؤدي إلى خلق ظروف بالغة القسوة يعيشها حوالي 7. 4 ملايين مواطن عراقي؛ اضطرتهم ظروف البلد المعروفة إلى النزوح أو إلى طلب اللجوء. الزمن لم يحل، هذه القضية.
على العكس، تركها تكبر. التحسن الأمني، الذي كثر الحديث عنه في الأشهر الماضية؛ لم يساعد حتى على تخفيف حدّة هذه الحالة البائسة. الشروط المسؤولة عن تحوّلها إلى أزمة إنسانية مأساوية، من العيار الكبير؛ ما زالت قائمة. ومن هنا فإن هذا التقرير جاء شبيهاً، إلى حدّ بعيد، بالتقارير السابقة؛ من حيث توصيفه لحالة اللاجئين. أوضاعهم الآن، تبدو كما كانت عليه؛ في عزّ النزوح.
وربما هي في حال أشدّ سوءاً. ينهشهم «الفقر المدقع واليأس». تحت ضغط الحاجة «يرغمون على تشغيل أولادهم»؛ مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر وسلبيات؛ ليس أقلها نشوء جيل لا يعرف المدرسة والشرود الاجتماعي والعائلي والذي أشار إليها التقرير بالتفصيل. ومن أخطر ما لحظته المنظمة الدولية، هو ما يتعرض له هؤلاء من «إجبار على العودة إلى أخطر مناطق العراق».
بعض البلدان الأوروبية تضطرهم إلى مغادرة أراضيها، إلى حيث أتوا. وفي ذلك مجازفة بالحياة، في ظل عدم استتباب الأوضاع وغياب المصالحة الأهلية والسياسية. يطالب التقرير وبكثير من العتب، الأسرة الدولية القيام بواجباتها الإنسانية والقانونية والأخلاقية؛ في هذه القضية. موقفها يتراوح بين الصامت والمتفرج والمتجاهل. يذكّرها بالتزاماتها المالية المتأخرة، المخصصة لمساعدة اللاجئين.
المفوضية العامة للاجئين، التابعة للأمم المتحدة، سبق وطالبت الدول الغنية، منذ يناير الماضي، بتقديم مبلغ 261 مليون دولار؛ لهذا الغرض. حتى الآن لم يصلها سوى 134 مليون دولار. وفي ذلك أكثر من معاتبة. فيه كشف عن تقصير. وهذا أضعف الإيمان. المطلوب زهيد جداً، إذا ما قيس بحجم المأساة وبمسؤولية التضامن مع المنكوبين من المدنيين، ضحايا الحروب والصراعات.
لكن مسؤولية المجتمع الدولي لا ينبغي أن تحجب مسؤولية الاحتلال، باعتباره المتسبب الأول والأخير بهذه المشكلة الإنسانية. تدمير العراق، بالحرب الجائرة، كان محكوماً بأن يؤدي إلى مثل هذه المآسي. وفي هذا الصدد لا ينبغي أن تغيب، أيضاً، مسؤولية الساحة الداخلية وتأخرها في انجاز المصالحة الوطنية؛ التي بات من غير المجادل فيه، بأنها المفتاح الذي لا غنى عنه، لمعالجة أعطاب الحرب الظالمة.
من دونها لا يستقيم التعامل مع الذيول والمضاعفات المدمرة التي تركتها. ومنها قضية اللاجئين. أكثر ما يؤلم وينذر بعواقب وخيمة، أن هذا الملف، على خطورته، يبدو وكأنه صار من المنسيات. وحدها منظمات حقوق الإنسان تقوم بفتحه، بين الحين والآخر. وهو تذكير لا يجدي، إذا بقيت الحلول غائبة عن صفحته.
