كان أحمد منصور معد ومقدم برنامج «شاهد على العصر» الذي تبثه قناة «الجزيرة» يحضِّر لتسجيل شهادة وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور مراد غالب عندما سأله في إحدى الجلسات عن رؤيته لما آل إليه الوضع في مصر وقراءته للمستقبل. نظر الدكتور إليه نظرة طويلة وصامتة، ثم اغرورقت عيناه بالدموع قبل أن يجهش في البكاء!

كان الموقف محرجا لمقدم البرنامج بمقدار ما هو غير متوقع من الرجل المعروف بمهندس العلاقات المصرية السوفييتية في مرحلة من أهم مراحل التاريخ العربي الحديث، وهو الذي ترك الطب في ريعان شبابه ليتفرغ للعمل السياسي بناء على طلب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

حيث شغل مناصب عدة بدأها سكرتيرا ثالثا في السفارة المصرية بموسكو ثم مستشارا سياسيا لعبد الناصر قبل أن ينقل سفيرا في الكونغو ثم موسكو حتى أعاده السادات إلى مصر بعد طرد الخبراء السوفييت ليعينه وزيرا للخارجية ثم الإعلام فالوحدة بين مصر وليبيا.

ليعود مرة أخرى سفيرا في يوغسلافيا التي أعلن منها في نوفمبر 1977 استقالته احتجاجا على قرار السادات الذهاب إلى القدس وعقد صلح مع إسرائيل، وكان ذلك بالتزامن مع استقالة كل من وزير الخارجية المصري آنذاك إسماعيل فهمي وسفير مصر في لندن الفريق سعد الدين الشاذلي.

كان الموقف محرجا إلى الدرجة التي جعلت أحمد منصور - كما جاء في روايته - يجلس في مكانه صامتا لا يتحرك، حتى جفف الرجل دموعه واستعاد رباطة جأشه ثم قال: «أعتذر إليك، لم أتمالك نفسي»، فلماذا يجهش رجل له خبرة الدكتور مراد غالب وتجربته السياسية والعملية في البكاء من سؤال ربما بدا للبعض عاديا؟

هذا ما حاول أن يفسره عندما قال: «الذي أبكاني هو ما آل إليه وضع مصر الآن، مصر تستحق أفضل من ذلك بكثير، أفضل مما حدث ويحدث لها، فحينما قبلت المشاركة مع رجال الثورة وكنت من المدنيين القلائل القريبين منهم كنت مليئا بالأمل أننا سنحول مصر إلى واحدة من أفضل دول العالم.

فلدينا كل شيء يؤهلنا لذلك؛ الموقع الجغرافي والتاريخ والإنسان وكافة العوامل الأخرى التي يمكننا من خلالها أن نجعل مصر التي تقع جغرافيا في قلب العالم أن تكون فعلا قلب العالم، لكننا للأسف أخطأنا جميعا، ووصلت مصر بأعمالنا إلى ما وصلت إليه الآن».

هل هي لحظة صدق مع النفس هذه التي عبر عنها بكلمات مشحونة بالعاطفة ذلك الرجل الذي ذهب إلى رحاب ربه قبل أن يكمل شهادته على العصر الذي عاشه وشارك في صنع أحداثه وكان قريبا جدا من الشخصيات التي لعبت دورا مهما في تاريخه وتاريخ الأمة العربية الحديث.

وهل هي لحظة نادرة في حياة أولئك الذين يتيح لهم القدر الفرصة لرؤية الصورة من خارج المشهد بعد أن يكونوا قد غادروا منصة العرض، وإلى أي مدى يمكن أن تُحدِث هذه اللحظة أثرا لدى أولئك الذين ما زالوا يؤدون أدوارهم على الخشبة؟

الشاهد في هذا الموقف هو أن ثمة فرقا بين أن تنظر إلى الصورة وأنت داخل إطارها وبين أن تنظر إليها وأنت خارج هذا الإطار، خاصة عندما يتعلق الأمر بالماضي حيث لا يمكن إعادة عجلة الزمن إلى الوراء، ويصبح الفعل الوحيد القابل للتنفيذ هو أخذ العظة والعبرة.

وإن كان هذا غير متحقق على أرض الواقع لأن اعتدادَ الذين يصنعون الأحداث برؤيتهم، وجبنَ الذين حولهم يمنعانهم من النظر إلى أخطائهم وأخطاء من سبقهم، فيمضون مكابرين حتى إذا ترجلوا عن مسرح الأحداث، بإرادتهم أو رغما عنهم، وتحولوا إلى شهود على العصر مثل من سبقهم، لانت عريكتهم وبدوا أكثر قابلية واستعدادا للاعتراف بأخطائهم.

في كتابه الذي أثار ضجة في الولايات المتحدة، يعترف الناطق السابق باسم البيت الأبيض «سكوت ماكليلان» أنه ضلل فرق الصحافة في البيت الأبيض، لكنه فعل ذلك كما يقول «دون علمه» ويأسف لأنه «قصر كثيرا في أن يصبح ذلك النوع من الموظف العام الذي أراد أن يكونه».

ربما يبدو موقف «ماكليلان» مشابها لموقف الدكتور مراد غالب مع اختلاف الزمان والمكان والثقافة والبيئة التي عمل فيها الرجلان، لكن شجاعة الاعتراف بالخطأ تبقى عاملا مشتركا يجمع بينهما بغض النظر عن تأخر اعتراف الدكتور مراد غالب الذي جاء متأخرا، في حين أتى اعتراف ماكليلان (40 عاما) بعد أن غادر الوظيفة التي أمضى فيها ست سنوات دافع خلالها عن الرئيس بوش في قضايا مهمة - مثل احتلال العراق والإعصار «كاترينا» -.

ليخرج بعدها بكتابه «ماذا حدث: دهاليز البيت الأبيض وثقافة الخداع» ليثير ضجة وردود أفعال متباينة وهو يصف الحرب على العراق بأنها خطأ استراتيجي فادح وأنه لا لزوم لها، موجها اللوم إلى وسائل الإعلام الأميركية لأنها كانت مطيعة أكثر من اللازم، ولم تتصف بالتشكيك الكافي خلال الفترة التي سبقت الحرب. كما اتهم «ماكليلان» إدارة بوش بإساءة معالجة عواقب الإعصار «كاترينا» الذي اكتسح ساحل خليج المكسيك، حيث أمضت أكثر من أسبوع وهي تنكر فداحة الكارثة.

في قضية الشهادة على العصر يبقى الجميع شهودا على ما يحدث أمام أعينهم، لكن أولئك الذين يشاركون في صنع تلك الأحداث يتحملون مسؤولية أكبر، ومع ذلك فإنهم لا يسجلون شهاداتهم إلا بعد انتهاء اللعبة، وعندما تنتهي اللعبة يغادر اللاعبون الساحة تاركين لجمهور المتفرجين مهمة التحليل وجمع النقاط وطرحها.

في حين يتحول بعضهم إلى شهود عصر يزخرفه فريق منهم ويلعنه فريق آخر، وقليل منهم هم الذين يعترفون بأخطائهم التي هي في واقع الأمر خطاياهم، ونادرا ما يذرفون دمعة أو يبدون ندما لأنهم شاركوا في تلك اللعبة أو كانوا شهود زور عليها.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com