بعد قرنين من الزمان يأتي هذا الأسمر القادم من القارة السوداء التي أمدت العالم بقوة العمل وبالسواعد القادرة على الإنجاز في أصعب الظروف، سواء كانت الطبيعية أو غير الإنسانية، ليضع بصماته على كافة جوانب الحضارة الإنسانية، لقد ظل ذوي البشرة السمراء قرونا طويلة في أسفل السلم الاجتماعي.

هذا رغم محاولات كافة المصلحين الاجتماعيين وحاملي الرسالات السماوية الدفاع عنهم على مر التاريخ، إلا أن البنية الثقافية للإنسانية ظلت حائلا دون نصرتهم وإنصافهم ومساواتهم بالآخرين، وظلت ترفض وتقاوم إعلان حقوق الإنسان لعصور طويلة، ورغم هذا ظل السود أفرادا وجماعات يدافعون عن حقهم في المساواة تحت كل الظروف.

لقد كانت معاناة السود في المجتمعات الرأسمالية مثالا واضحا على العنجهية العنصرية المتمسكة بالنظرية الداروينية البغيضة التي ساهمت في دفع البشرية لحروب عالمية، ومن أبرز أمثلتها الحرب العالمية الثانية التي انطلقت من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وتابعتهما اليابان مثلهما.

ورغم كل المصاعب والأهوال إلا أن النضال ضد العنصرية بكافة أشكالها ظل يشغل اهتمام العديد من القوى الإنسانية على مدى مسيرة التاريخ، وما زال التاريخ يسطر بفخر واعتزاز للإنسان الأسمر صفحات عديدة تعتز وتفخر بها الإنسانية على مر العصور والأزمان، وما زال عنترة العبسي بن شداد رمز الفروسية العربية الأصيلة.

وما زلنا نذكر بلال بن رباح مؤذن الرسول، والذي وصفه الخليفة عمر بأنه «سيدنا»، وما زلنا نذكر ثورة الزنج في التاريخ العربي الإسلامي، وسبارتاكوس قائد ثورة العبيد في القرن 71 ق م، وما زال الكسندر بوشكين الأسمر أمير شعراء روسيا وسليل العائلة المهاجرة من أثيوبيا الأفريقية فخر الأمة الروسية حتى الآن، وكيف لا ؟

وهو واضع أسس اللغة الروسية الحديثة، وما زالت هناك نماذج عديدة حفرت اسمها بفخر واعتزاز على جدران التاريخ الصلبة في نضالها ضد العنصرية والتمييز والطائفية. لقد تطور الفكر البشري وجاءت المواثيق والمنظمات الدولية لتدافع عن حقوق الإنسان وتنادي بالمساواة بين البشر جميعا في كافة أنحاء الأرض.

ومع صيحات الكفاح من أجل المساواة بين البشر لجأت بعض القوى الاستعمارية لأساليب وحيل تستخدم فيها هذا المد لتحقيق مصالحها، فشاهدنا بريطانيا ترفع شعار «محاربة تجارة الرقيق» في استراتيجيتها الاستعمارية ضد القوى المناضلة ضدها في الخليج العربي.

وكان شعاراً زائفاً وكاذباً كما كتب عنه الكاتب الكبير صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في كتابه الشهير حول الخليج العربي، والذي فند فيه أكذوبة وخرافة «القرصنة في الخليج »، وعلى ما يبدو أن الأكاذيب لم تتوقف، فما زلنا نشهد استغلالاً واضحاً للجانب الإنساني ولحقوق الإنسان من بعض القوى الكبرى التي تسعى للهيمنة على العالم.

وبرزت معركة العنصرية الحقيقية في العالم الجديد، في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت وما زالت تشكل الحلم الكبير للإنسان في عالم جديد من المساواة واحترام حقوق الإنسان، على الرغم من أن التاريخ لم يكشف حتى الآن سوى عن زيف وكذب هذا الحلم، وذلك منذ أطروحات أبراهام لنكولن حول تحرير العبيد والتي اغتيل بسببها، حتى معتقل جوانتانامو.

ولكن يظل النضال من أجل المساواة وحقوق الإنسان وضد العنصرية والفاشية، ويظل الأسمر في صعوده التاريخي يؤكد أنه لا يقل عن الآخرين في شيء، ويضرب المثل في الإنسانية والرقي الحضاري، ولعل نموذج الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا يشهد على ذلك بنضاله السلمي ضد العنصرية كما كان حال المهاتما غاندي في الهند.

وتأتي انتخابات الرئاسة الأميركية وما أسفرت عنه المنافسة في الحزب الديمقراطي عن صعود أوباما القادم من إفريقيا السوداء، لتؤكد أن التغيير قادم وأنه قد آن الأوان لهيمنة البعد الإنساني وتراجع الأفكار والنزعات العنصرية التي تغلغلت لقرون طويلة في الثقافة الغربية.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae