لأن المقدمات تقود إلى النتائج، فإن واقع المنطقة العربية المهمشة الآن هو نتيجة لمقدمة سبقتها هي حالة المنطقة المهشمة قبل الآن، تعرضها للهجوم ووقوع أجزاء منها تحت الاحتلال، واختراق أجزاء أخرى بالنفوذ الأجنبي، وقابلية بعض الأوطان للانقسام الوطني والوقوع في شرك الفتنة الأهلية، هو نتيجة للضعف بسبب الانقسام ولغياب المناعة التي لا يوفرها لكل العرب سوى الاتحاد الذي يوفر القوة.

وإن ما يجري الآن من صراعات دولية على أرضها وفى ساحاتها الوطنية، وما تتقاطع فيه السياسات المتناقضة والمصالح المختلفة والرؤى المتشابكة في المنطقة نتيجة لعدة مقدمات نتج عنها غياب التصور الاستراتيجي المشترك لمتطلبات الأمن القومي العربي وأولها الإسراع نحو بناء الكيان الاتحادي العربي حتى نكون قوة كبيرة بين الكبار لا منطقة لنفوذهم ولا ساحة لصراعاتهم ولا عامل إغراء بما لدينا من ثروة لأطماعهم أو بما لدينا من ضعف لهجماتهم.

وكان من الطبيعي إذا لم تتوفر الإرادة العربية لتحقيق الاتحاد الذي يصنع القوة اللازمة لتحقيق هدف التحرير والنهضة، ألا تغيب الإرادة لتحقيق التكامل الاقتصادي، ولكن رغم الاتفاقيات فالخطوات مازالت أبطأ من إيقاع عصر يتسم بالسرعة وأضيق من آفاق عالم تتسع آفاقه بما يتجاوز الحدود الضيقة إلى الحدود المفتوحة، ومع تأخر منظومة التكامل الاقتصادي العربي المشترك، وغياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، لا يوجد للعرب ذلك السد العالي لصد الهجوم عليهم، ولا توجد تلك المظلة التي تحميهم من ضربات الشمس..

إن ما نراه الآن في الواقع العربي المقسم وبالتالي الضعيف، والمهشم وبالتالي المهمش، والذي يشكل بصورته الحالية بين القوى الكبرى منطقة فراغ تستدعى القوى الأكبر لغزوها والنفاذ فيها سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا بغير مناعة من وحدة تملأ فراغا أو من قوة تصد هجوما، هو انعكاس لما يجرى تنفيذه من استراتيجيات استعمارية في الدوائر الدولية الكبرى للسيطرة، بما يشكل ضغوطا على الدوائر الصغرى الإقليمية والعربية والوطنية بعلاقاتها المتشابكة وبتفاعلاتها السياسية لترابطها الجغرافي وتواصلها التاريخي وبالتالي تتردد أصداؤها المتبادلة تأثرا وتأثيرا بالشقاق تارة وبالوفاق تارة أخري.

وفى ظل متغيرات عالمية أخلت بالتوازن الاستراتيجي لميزان القوى الدولية بتفكك الاتحاد السوفييتي وبالتالي غياب الوزن الكبير للقطب الثاني، انتهى عصر التوازن العالمي في ظل الثنائية الدولية على القمة العالمية التي كانت تتيح للدوائر الصغرى مجالا كبيرا من الحرية والقدرة على الفعل ورد الفعل بما يتوافق مع أهدافها وإرادتها المستقلة، ونتج عن ذلك واقع مختل جديد بتأثير القوة الوحيدة في ظل القطب الأميركي الأوحد، بما يغري على الهجوم الشامل لتوسيع مناطق النفوذ والهيمنة والاستحواذ على منابع الثروة والطاقة ليس في منطقتنا فقط بل في العالم كله.

وإن كانت هذه المتغيرات والاختلالات تشكل تحديا عالميا يستلزم استجابة عالمية، إلا أن مثل ذلك التحدي الأميركي على منطقتنا العربية والإسلامية يتسم بشراسة وعدوانية أكبر، ذلك لأن أميركا لا تنحاز فقط بغير بصر ولا بصيرة إلى العدو الصهيوني الذي يحتل فلسطين أقدس أوطان العرب والمسلمين، ولا تحتل فقط أوطانا عربية وإسلامية في العراق أفغانستان، ولا تهدد الأوطان العربية بالانقسامات الوطنية وبإشعال الفتن الأهلية فقط، بل أنها بعد خطاب بوش في الكنيست الإسرائيلي تعلن أنها هي أكثر صهيونية من الصهاينة أنفسهم..!!.

mamdoh77t@hotmail.com