ديمتري ميدفيديف الرئيس الروسي الحالي، رئيس وزراء سابق وفلاديمير بوتين رئيس الوزراء الحالي رئيس سابق، الكل يتطلع إلى كيفية إحداث تعايش والمنحى الذي سيتخذه هذا التعايش بين رأسي السلطة الجديدة في روسيا.
ميدفيديف يمثل أو يريد أن يمثل التحول الليبرالي في روسيا على الأقل على الصعيد الاقتصادي ويحاول أن يبني شرعية رجل الانفتاح والتغيير في الداخل عبر انتقاده لبعض أشكال السلطوية الشديدة والطاغية ونظام التسلط في موسكو متحدثاً مثلاً عن ما سماه »العدمية القانونية« للإشارة إلى غياب حكم القانون.
في حين أن بوتين الرجل القادم من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والتي تشكل إحدى أهم قواعد سلطته وقوته يمثل الوجه الآخر لروسيا ويحاول أن يعرف دوره بأنه معني فقط بالاقتصاد كرئيس حكومة ولا علاقة له بالسياسة كما قال رداً على سؤال حول حقوق الإنسان خلال زيارته الأخيرة لفرنسا.
بوتين نفسه قد كرس أيضاً دعائم موقعه الجديد من خلال تزعمه لحزب روسيا الموحدة وهو الحزب الحاكم الذي يسيطر على الدوما أو مجلس النواب والذي يسمح له إذا شاء من خلال ثلاثة أرباع أصوات الدوما الإطاحة بالحكومة.
الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف يقول إن بوتين قد يستمر في إدارة السياسة الخارجية فيما يترك لميدفيديف الشؤون الداخلية وتحديداً الاقتصادية لكن العلاقة ليست بالطبع.
كما هي على ورق الدستور فبوتين هو الأقوى بالفعل ولو أن ميدفيديف هو الأقوى في الشكل مما يؤسس لعلاقات قد تصبح مضطربة مع الوقت أو قد تؤدي إلى صراع بين الاثنين علماً أن من السيناريوهات التي يجري الحديث عنها أو بشكل مبكر أن بوتين قد ينوي العودة إلى الرئاسة عام 2012.
لكن ما هو غير مستبعد كما يقول أكثر من مراقب حدوث خلافات بينهما حول قضايا داخلية تتعلق بالسيطرة على السلطة وقد تدفع إلى حدوث مواجهات بينهما وعبر أحلاف يحاول كل منهما إقامتها دون شك.
ميدفيديف حالياً يستطيع أن يحقق بعض النجاحات الداخلية على الصعيد الاقتصادي بما ورثه من نجاح اقتصادي منذ عهد بوتين وهو نجاح يعود إلى ارتفاع أسعار النفط مما سمح لحدوث نمو في روسيا بمعدل فاق الــ 7% .
وإنشاء احتياطي من العملات الصعبة يمثل حوالي 30% من الناتج الداخلي العام مما أعطى شحنة قوية للاقتصاد الروسي واحتياط ضخم أيضاً إذا ما أريد المضي في سياسات تولي اهتماماً لبناء اقتصاد إنتاجي خارج اقتصاد النفط ولتوزيع اجتماعي عادل يسمح بتعزيز القاعدة الشعبية للسلطة خاصة ان الشأن الاقتصادي الاجتماعي يحظى بالأولوية عند الرأي العام أكثر مما تحظى به المسألة الديمقراطية.
فالثقافة السياسية الروسية ثقافة سلطوية دون أن يعني ذلك بالطبع غياب التطلع إلى الحرية وتوسيع مجال المشاركة السياسية. وهذه من العناصر التي قد تشكل مصدر قوة وتعطي مزيداً من المرونة للرئيس الجديد.
فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لا يوجد خلاف بين الرأسين اللذين تبادلا موقع القيادة. فالعلاقات مع الولايات المتحدة تمر بأسوأ فتراتها منذ عشرين عاما ولائحة الخلافات طويلة ومفتوحة وللتذكير فهي تشمل كوسوفو وإيران وموضوع انضمام اوكرانيا وجورجيا للحلف الأطلسي .
وتوسيع هذا الأخير ونظام الدرع الصاروخي والجدير بالذكر انه بقدر ما أصبحت روسيا الاتحادية »غربية« بتحولاتها الاقتصادية الاجتماعية بقدر ما ازدادت مناهضتها للغرب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وفيما يتعلق برد الفعل القومي الروسي التاريخي والتقليدي ضد كل المحاولات لإضعاف الدور الروسي دوليا. من مظاهر السياسة الخارجية الروسية التي تحظى بتوافق كامل في الأولويات وفي المقاربة بين رأسي السلطة أن الحركة الأولى بعد التغيير في روسيا لكل من الرئيسين على الصعيد الخارجي كانت باتجاه الشرق: بوتين ذهب إلى روسيا البيضاء لحضور اجتماعات رؤساء حكومات منظمة الكومنولث أو أسرة الدول المستقلة.
في حين توجه ميدفيديف إلى كازاخستان والصين الشعبية. وتأتي الزيارتان للتأكيد على الأولوية التي تعطيها روسيا للخيار الشرقي وكذلك للنهج الروسي في دعم قيام عالم متعدد الأقطاب وللتأكيد على أن لروسيا خيارات أخرى غير الخيار الغربي.
كما تعمل روسيا على تعزيز منظمة كومنولث الدول المستقلة بعد التوتر الذي شهدته العلاقات بين أعضائها منذ الانتفاضة التي حصلت في كل من جورجيا وأوكرانيا ومنذ تطلع الدولتين الأخيرتين للانضمام إلى الحلف الاطلسي.
في سياق التوجه الاستراتيجي نحو الشرق أيضا أرادت موسكو عبر زيارة ميدفيديف إلى الصين الشعبية توجيه رسالة إلى كافة المعنيين الدوليين على الأهمية التي تعلقها موسكو لتعزيز دور »منظمة شنغهاي« التي تضم إلى جانب روسيا والصين الشعبية بعض دول آسيا الوسطى.
وعلى صعيد آخر وفي سياق الزيارات الرسائل كان من الطبيعي ان تكون الزيارة الأولى لكل من الرئيسين إلى الأصدقاء التقليديين في أوروبا: بوتين ذهب إلى فرنسا وميدفيديف ذهب إلى ألمانيا في نوع من تأكيد كليهما على خصوصية العلاقة الروسية مع هاتين القوتين الأساسيتين في أوروبا وتوجيه الشكر إلى برلين وباريس اللتين رغم انحياز قيادتيهما الجديدتين بشكل أكبر نحو الولايات المتحدة من القيادتين السابقتين .
وارتفاع درجة الأطلسة في سياستيهما فانهما ضمن ثوابت الجغرافيا السياسية الأوروبية لهاتين القوتين عارضتا محاولة واشنطن دعم الانضمام الفوري لكل من أوكرانيا وجورجيا للحلف الأطلسي ولم يجد بوتين أفضل من زيارته لباريس لإطلاق تحذير لواشنطن من أن محاولة توسيع الحلف الأطلسي يعني إقامة جدران برلين الجديدة.
ورغم أن السياسة الخارجية تشكل عنصر تطابق بين رأسي السلطة في موسكو، لكن الإمساك في السلطة من جهة والمقاربة الاقتصادية والسياسية لدور الدولة في الداخل بشكل خاص من جهة أخرى عنصران قد يدفعان لحدوث توترات يمكن ضبطها وإدارتها بنجاح لحد معين بين رأسي السلطة.
ولكن هذه التوترات قد لا يمكن احتوائها بنجاح على المدى البعيد، والسؤال المطروح عند كل مراقب للوضع الروسي هو أن النسر ذات الرأسين كان دائماً رمز سلطة القياصرة، فكم من الوقت سيبقى التفاهم قائماً بين الرأسين حتى يستطيع النسر أن يستمر في طيرانه وتحليقه.
كاتب لبناني