كتب دانيال بيل الأميركي، أستاذ النظرية السياسية، في جامعة تسنجوهوا الصينية مقالا في جريدة نيويورك تايمز وترجمته الزميلة الاتحاد، يدافع فيه عن الجيل الجديد من الطلبة الصينيين وينفي عنهم تهمه المادية والأنانية أو أنه معاد للأجانب أو يتبنى ميولا قومية متطرفة تدفعه لمساندة بلده سواء في الخطأ أو الصواب،كما وصف جهودهم في زلزال الإقليم الصيني، وقد اصطفوا بالآلاف أمام مراكز الصليب الأحمر للتبرع بالدم وبأشياء أخرى.

فيما قرر آخرون التوجه إلى مكان الزلزال الذي يبعد عنهم بأكثر من ألف ميل للمساهمة في توزيع المساعدات على الأهالي وعلى المتضررين، وبغض النظر عن رأيه في الطلبة الصينيين فإن ما لفت نظري هو وصفه للحوارات التي تدور بينه وبين طلبته، فقد ذكر كيف جاءه أربعة من طلبته وأبدوا شكوكهم في فهم نظريات مجردة وطلبوا منه أن يطرح تطبيقات عملية واقعية على الظرف الذي تمر به البلاد، و يقول بيل «كانت المحاضرة القادمة عن نظرية العدالة للمفكر جون رولز .

وقد كانت نتائج الكارثة للزلزال الصيني تتضح في المناطق المنكوبة، لذا حاولت أن أقدم مثالا ملموسا للطلبة يناقشونه ومن ثم يتم التعامل معه وفقا للنظريات المقررة» السؤال الذي يمكن أن تطرحه نظرية العدالة على واقع المشهد الصيني كان: هل يتعين على الدولة الاهتمام أولا بالأكثر تضررا من أفراد المجتمع؟ لكن، أي مجتمع يقصد؟ وهل تمتد واجبات الدولة والتزاماتها خارج الحدود الوطنية.

فعلى سبيل المثال تسبب الإعصار الذي ضرب بورما في مقتل عدد من الناس يفوق ما تسبب به الزلزال في الصين فهل يتعين على الصين مساعدة المنكوبين في بورما حتى ولو كان ذلك على حساب تقديم الإغاثة لضحايا الزلزال الصيني ؟! خيم على الطلبة سكون مطبق فنظريا كانت الإجابة أكثر سهولة لكنها عمليا لا تحتمل الحياد ولو كان هذا الحياد أكثر عدالة.

وبعد الإجابات المتصارعة حول النظرية الليبرالية وفشلها في إطفاء اللسعات والانشقاقات الفكرية الحارة في عقول الطلبة، انتهت المحاضرة وتدافع الطلبة للخارج دون أن يصفقوا كما جرت العادة بعد انتهاء المحاضرة وعندما عاد الأستاذ للمنزل أدرك أنه ربما تجاوز قليلا في مناخ تطغى فيه مشاهد القتلى والدمار فأرسل رسالة عبر البريد الالكتروني إلى القسم الذي يضعها في بريد الطالب الجامعي، كتب فيها «أعتذر لقد استخدمت مثالا خاطئا وأنه جيد أن يساعد الطلبة جهود إغاثة الضحايا ولم أقصد أن يختار الناس بين مأساتين»!.

بعدها رد عليه احد الطلبة موضحا أن المثال لم يكن «غير لائق» ولكن «فقط لدينا شعور قوي بالانتماء»، وهذا شعور منطقي وقت الأزمات ثم قال الأستاذ الأميركي مؤيدا ما ذهب إليه طلبته، تخيلوا أن أستاذا جامعيا في نيويورك بعد أحداث 11 سبتمبر يقول للطلبة الأميركيين أن يتوجهوا بالمساعدة إلى الخارج بدلا من ضحايا الاعتداءات لربما صرخوا في وجهه وطردوه من قاعة الدرس.

هذه واحدة من مناخات جامعية عالمية وليست بأفضلها، فالذي يقرأ كتاب «قصة غوغول» الذي يسرد تاريخ طالبي الدكتوراه «لاري بيج» و«سيرجي برن» اللذان توصلا لابتكار موقع غوغول بالصدفة العلمية البحتة وتحويل أخطاء البحث لابتكارات أولها مثلا أن google، هي الاسم الخطأ لرقم واحد أمامه مائة صفر والصحيح هوgoogol، وسيجد أن بيل غيتس قد تبرع لجامعة لم يدرس بها هي جامعة ستانفورد- .

لكنه يستفيد على الدوام من مهارات خريجيها - بمبنى كبير توزع في مكاتبه الباحثين من الطلبة الصغار كل يصنع المستقبل بطريقة هي أقرب للألعاب الممتعة منها للواجب المقيت والممل، وسيجد أن متفوقي الثانوية الإسرائيليين هم من جوابي العالم للبحث عن أفضل طرق المعرفة، هذه الأجواء لا تشبه أبدا أجواء العالم الثالث، فطلبتنا الذين تتمزق أكتافهم من حمل الكتب الثقيلة الصماء في النظام التعليمي العام يصابون بالشلل المعرفي من شدة التكلس والجمود.

ولا يجدوا في فصولهم الجامعية غير أساتذة يمارسون تعليمهم الجامعي كوظائف يقومون بها في تأفف وملل مشغولون بالمساهمات والأرباح العقارية، ولن تتجاوز آمال الطالب الجامعي في هذا الجو العقيم سوى ورقة رسمية تثبت حيازته للشهادة الجامعية،وإن خرج من الجامعة لن يجد سوى إعلام فارغ يحشوه بالفن المسطح، والغنائيات الفولكلورية التي تجعل من الماضي وهما، أو جنة طرد منها فيتشبث بالعودة إليه.

هذا في أحسن الأحوال أما في أسوأها فان الفصول الجامعية لا تتعدى كونها مصانع للجهل والتكبر على المستقبل، محشوة بالأيدلوجيات الضيقة والحزينة، وهي التي تجعل من شباب الجامعات جمهورا للرياضة وللشعر الشعبي، وأبطالهم لا يتعدون صورة صدام حسين وأسامة بن لادن اللذين لم يجدا أفضل افتتاحية للحرب بينهما وبين الأميركان و الطائرات الأميركية تحلق فوق رأسيهما، غير قصيدة عصماء تتغنى بالخيل والسيف وطيب الأعراق.

هذه الغربة عن الواقع هي التي تصنع مسلسل الهزائم، بينما الحيرة العلمية التي تتحدى العقل وتحرضه على التفكير وتربطه بالأخلاق العالمية والإنسانية هي التي تقربنا من العالم ومن المستقبل، وتصنع لنا طريقا للسلام والتحضر، حتى ولو كابدنا بعض الآلام التي تضعنا فيها الحيرة كما وضعت الشباب الصيني لكنها لم تمنعه من أن يكون منتميا لمجتمعه شاعرا بآلامه لكنه في نفس الوقت مشغول أيضا بالمستقبل!!.

كاتبة سعودية

bdryah@gmail.com