إنها حرب من أجل التربح والتجارة بوسائل غير مشروعة، هذا ما يستخلص من تحقيق تلفزيوني بثته «بي.بي.سي» من خلال برنامج «بانوراما» بشأن الحرب الأميركية في العراق الدائرة على مدى السنوات الخمس الأخيرة. قبل نحو ثلاثة أعوام تناقلت وسائل الإعلام الأميركية رواية إخبارية تفيد بأن الحاكم الأميركي السابق في العراق الواقع تحت الاحتلال ـ بول بريمر ـ غادر منصبه نهائياً حاملاً معه في حقيبة اليد مبلغ مليار دولار نقداً لمنفعته الشخصية.
وكان غريباً أن إدارة بوش التزمت السكوت فلم تشأ أن تصدر تكذيباً رسمياً. وحتى بريمر نفسه لم يشأ أن ينفي الرواية فضلاً عن إقامة دعوى قضائية ضد الصحافة المطبوعة والصحافة الإلكترونية التي نشرت الرواية وروجت لها. الآن تأتي «بي.بي.سي» لتبلغ العالم بما هو أدهى وأمر.
يفيدنا التلفزيون البريطاني بأن حوالي 23 مليار دولار «فقدت أو سرقت أو لم تستخدم بشكل صحيح في العراق، والتحقيق الذي بثه برنامج «بانوراما» ليس فتحاً إعلامياً بالمعنى الكامل. فقد سبق أن أشارت صحف أميركية كبرى إلى مخالفات مالية ارتكبها كبار جنرالات وزارة الدفاع الأميركية بالتواطؤ مع كبرى شركات صناعة الأسلحة. لكن قيمة هذا التحقيق التلفزيوني تتمثل في أنه يسرد وقائع أكثر تفصيلاً، ليس فقط بشأن عقود مشتريات الأسلحة، وإنما أيضاً بشأن عقود من نوع آخر تتعلق بمشروعات «إعادة إعمار العراق».
كما يكشف البرنامج عن تورط مسؤولين عراقيين مع المسؤولين الأميركيين. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل ينتظر من الإدارة الأميركية أن تأمر بفتح تحقيق قانوني شامل في هذا الأمر؟ هذا الاحتمال مستبعد تماماً بالنظر إلى الارتباط العضوي بين الفساد المالي والفساد السياسي، فالحملة العسكرية الأميركية على العراق شنت أساساً ـ كما ظهر لاحقاً ـ من أجل فتح فرص للتربح التجاري أمام شركات صناعة الأسلحة وشركات كبرى أخرى تتعلق أعمالها بشؤون الحرب، وكما أن كبار الجنرالات هم المستفيدون من التعاقدات مع شركات الأسلحة، فان مسؤولين آخرين يستفيدون من التعاقدات التي تبرم مع شركات أخرى.
وعلى سبيل المثال يشير برنامج «بي.بي.سي» إلى عقد بقيمة سبعة مليارات دولار لشركة «هاليبيرتون» التي يمثل مصالحها داخل الإدارة الأميركية نائب الرئيس ديك تشيني. لقد اتخذت إدارة بوش قرار شن الحرب بناء على كذبة ـ كذبة أسلحة الدمار الشامل لأنه لم يكن بوسعها إشهار الهدف الحقيقي. فكيف يتوقع منها أن تأمر بتحقيق سواء في عملية الكذب أو عملية النهب؟