الإشارات من لبنان، بشأن عملية تأليف الحكومة، لا تتفق مع توقعات ما بعد الدوحة. في أحسن أحوالها ملتبسة. كان الاعتقاد أن موجة التفاؤل، التي رافقت ولادة الاتفاق، تملك ما يكفي من الزخم. وأن التنفيذ مسألة أيام فقط. التوافق على الخطوط الأساسية، من شأنه أن يجعل الطريق سالكة؛ أمام وضعها موضع التطبيق. لكن الأمور لم تأخذ هذا المنحى. الطبخة الحكومية، مضى عليها، فوق النار، أكثر من عشرين نهارا. لم تنضج بعد.

وفي هذا الزمن، النار اللبنانية لا يؤتمن لها. ولو أنها هامدة الآن. البقاء في جوارها، مفتوح على مجازفة. وإذا كان التأني من لوازم اللحظة، فالعجلة باتت ضرورة؛ كي لا يحترق الطبخ والمطبخ. أن يستغرق تشكيل حكومة عدة أسابيع، مسألة اعتيادية. السوابق من هذا القبيل كثيرة في لبنان وغيره من البلدان. ليس في ذلك ما يدعو إلى القلق. لكن شرط أن تكون الظروف عادية.عندئذ تكون عملية الأخذ والرد جزءاً من اللعبة السياسية.

أما في ظروف كالتي يمر بها لبنان، يختلف الوضع. فالبلد لا يحتمل التمادي في مثل هذه اللعبة. ولو أنه اعتادها، في السابق. لم تعد دليل عافية. الاستمرار فيها مكلف. الوضع الأمني بدأ يعطي عيّنات عن كلفة المراوحة. مع تواصل الانسداد، منذ الدوحة، رجع منسوب الاحتقان إلى الارتفاع.

الاحتكاكات التي شهدتها أكثر من منطقة، تنطوي على تحذيرات، بل إنذارات، بأن بقاء الحال على ما هي عليه يحمل معه خطر الانفلات في الشارع. وهو خطر ذاق لبنان جرعة منه أوائل مايو الماضي. البلد سبق وعانى من أزمات حادة وقاسية. لكن ولا مرة عرف مثل التي يواجهها، في هذه المرحلة. فهو يعيش أزمة طاحنة ومركبة.

يتداخل فيها الأمني بالانشطار الداخلي، بالوضع الاقتصادي الخانق؛ ناهيك بالجانب الإقليمي الوازن في تأثيره. اتفاق الدوحة تمّ انتزاعه بشق الأنفس. كان مفاجأة سارة وواعدة. تنفيذ البند الأول منه وبسرعة، وسّع فسحة الأمل بقرب الخروج من النفق. رافق ذلك حالة من الاسترخاء؛ يكاد تعذر ترجمة البند الثاني، يطيح بها.

وقد ترك ذلك شيئا من الصدمة، كان تصريح الأمين العام للجامعة العربية، لدى وصوله إلى بيروت أمس الأول؛ أبلغ تعبير عنها؛ عندما قال «إننا مندهشون وآسفون وعاتبون»، من عدم تأليف حكومة حتى الآن. ويبدو أن استمرار الدوامة يعود إلى الغرق في التفسيرات والتصنيفات للوزارات، وتوزيعها بين «سيادية» و«خدماتية» وغيرها؛ مع ما يستتبع ذلك من خلاف على توزيع الحقائب.

لبنان تعب وبحاجة إلى انفراج في أوضاعه. على الأقل استراحة مديدة. خاصة بعد الذي تحقق في قطر. أمنه رخو وصيفه على الأبواب. المطالبة بحقيبة أو بأخرى، ممارسة مشروعة ومحقّة. توزيع الوزارات، على مختلف القوى، شأن هام. لكن يبقى التوافق على انجاز التشكيلة، ومن دون خسارة وقت، هو الأهم.