قرار المحكمة العليا الاميركية بحق سجناء جوانتانامو في الطعن في اعتقالهم يأتي كخطوة جديدة على طريق فضح الادعاءات الاميركية الرنانة بأن هؤلاء ليسوا مشمولين بمظلة قضائية ، ولطالما ردد وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رمسفيلد هذه الادعاءات ومن ورائه الرئيس الاميركي جورج بوش الذي مازال يردد حتى الان نفس المزاعم رغم اعلانه الاضطراري بأنه سيلتزم بحكم المحكمة (وإن كان لا يتفق معه)
وبالطبع لم يكن هذا القرار القضائي نتاج قناعة اميركية بحتة سواء على مستوى القضاء او السياسة او الاعلام ، وإلا لما كان استمر هذا الاسلوب المشين من الاعتقال التعسفي الفوضوي كل هذه السنين دون أن يلقى الرفض الملائم .
إن قرار المحكمة العليا الاميركية جاء نتيجة ضغط رأي عام دولي متعاظم أخذ يساهم بضغوطه في فضح لاأخلاقية السياسة الأميركية بل وعدوانيتها رغم ان ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي سبق له ان قال انه ليس بالضرورة ان عليهم الاستماع الى استطلاعات الرأي حتى لو كانت من داخل اميركا وهذا يعني ايضا أن اتجاهات الرأي العام لا تهم الادارة الاميركية من بعيد او قريب لكن تعاظم الضغوط الخارجية على اميركا تحول الى سلوك عملي معاد لكل طرح أميركي في مجال العلاقات الدولية أو حقوق الانسان وبالطبع أدى فقدان المصداقية هذا الى اثارة قلق دول عظمى اخرى اعتبرت أن الانسياق المطلق وراء الضغوط الاميركية يشكل خطرا على مستقبل تلك الدول السياسي .
وقد تغيرت بالفعل حكومتان بسبب حرب العراق هما حكومتا اسبانيا واستراليا وفي انتخاباتهما نجح رؤساء الوزراء الذين رفعوا لواء مخالفة التوجه الاميركي وحين تسلموا السلطة في بلادهم امروا قواتهم بالعودة الى بلادها ، بالاضافة الى اسبانيا واستراليا هناك اليابان التي تستعد لسحب قواتها مع نهاية هذا العام إذا على الولايات المتحدة قبل ان تنهض لالصاق تهم جديدة بدول اخرى ان تصلح من شأن سياستها الداخلية والخارجية وان تعوض السجناء الذين تعرضوا لشتى صنوف المهانات سواء في سجن جوانتانامو او في السجون السرية والطائرة والخاصة الى غير ذلك من ابتكارات اعداء حقوق الانسان في الادارة الاميركية.
وعلى واشنطن الكف من الآن عن توزيع شهادات حسن او سوء السير والسلوك عبر العالم وتحرر لنفسها شهادة عادلة لعل ذلك يعيد اليها بعض مصداقيتها الضائعة ويخفف مناخ العداء العالمي للسياسة الاميركية فالعالم ليس غبيا بالقدر الذي يتصوره الاميركيون وهاهي تلوح في الافق بوادر اضمحلال عصر القطب الواحد لتدخل العنجهية الاميركية في المحاق مرة اخرى امام القوى العالمية الصاعدة التي تخطط لمنع استمرار هذه التجاوزات الاميركية ولجم النزق الاميركي ووقف الضغوط السياسية التي تمارس على دول العالم من اجل ابتزازها سياسيا .
