إذا كنا نمر ـ باتفاق دولي إقليمي ـ بفترة تهدئة كان التوصل لتسوية حول لبنان هو عنوانها الأول، فلا يعني ذلك أننا سنتوصل إلى تسويات مماثلة على كل الجبهات، ولكن ذلك لا يعني أيضا أن تتوقف المفاوضات بل أن تستمر، فالتفاوض مطلوب لذاته من أجل إشاعة روح التفاؤل بحلول إما أن تكون مستحيلة أو بعيدة، وإما أن تكون جائزة لأن موازين القوى هي التي تتحكم ونحن نعرف الموقف العربي وفقاً لهذه الموازين!!
وهكذا يغرق العالم العربي في طوفان من المفاوضات.. فالسلطة الفلسطينية (أو ما تبقي منها) يفاوض الحكومة الإسرائيلية (أو ما فسد منها !!).. وفتح تفاوض «حماس» من أجل المصالحة وحماس تفاوض إسرائيل من أجل التهدئة.. ومصر تفاوض الأطراف الثلاثة منعا لانفجار الموقف على حدودها وإدراكا منها بأن الجهود الأميركية في هذا المجال سائرة إلى الفشل الأميركي أو الكارثة العربية!
على الجانب الآخر يرتفع الستار عن فصل جديد في المفاوضات بين إسرائيل وسوريا مع وساطة تركية. وتستأنف باريس اتصالاتها مع دمشق.. ولا تخفي التهديدات الأميركية والأوروبية لطهران أن المفاوضات معها مستمرة، وعلي أكثر من قضية كلها تمس الأمن العربي ومستقبل المنطقة.
بحر من المفاوضات التي تبدو ـ في معظمها ـ سائرة إلى مصيرها المحتوم وهو الصفر الكبير، وهو أمر تعودنا عليه في السنوات الماضية حين تكون الولايات المتحدة الأميركية في أحد موقفين: أن تكون مقدمة على حرب أو عدوان في المنطقة (كما حدث قبل حرب تحرير الكويت أو احتلال العراق) فتتذكر فلسطين وتلقي بوعود تعرف أنها لن تتحقق، أو أن تكون في أزمة أو في فترة لا تستطيع فيها التحرك كما في فترات انتقال السلطة.
فتلجأ للتهدئة واستهلاك الوقت، ثم تستعين بصديق لملء الفراغ.. كان في السنوات الماضية هو بريطانيا حيث كان رئيس وزرائها بلير يستغل خبرة الدبلوماسية البريطانية بالمنطقة للقيام بالمهمة التي انتقلت الآن إلى الرئيس الفرنسي ساركوزي.
لكن الأوضاع هذه المرة تختلف، وجيوش أميركا بمئات الألوف في المنطقة، وهي منخرطة في حربين في أفغانستان والعراق، ولا تستبعد ـ في النهاية ـ حربا ثالثة ضد إيران. ومن هنا فالتهدئة التي تشيعها في المنطقة ليست فعل غياب (ولو مؤقت) والمفاوضات التي تطلقها (أو تسمح بها) على أكثر من جبهة، ليست بعيدة عن استراتيجيتها في المنطقة، بل هل قلب هذه الاستراتيجية.
وبعيدا عن التفاصيل التي يبدو إغراق المنطقة فيها هدفا في حد ذاته، فإن كل ما يجري ينبغي قراءته في ضوء حقيقة جوهرية وهي أن المعركة الأساسية التي تخوضها الإدارة الأميركية هي معركة ترتيب الأوضاع في العراق والانتقال من وضع المحتل غير الشرعي إلى وضع الهيمنة والوصاية إلى ما شاء الله أو إلى أن تنتهي احتياطات البترول في العراق المنكوب وفي المنطقة!!
هذا هو جوهر المعركة التي تخوضها الولايات المتحدة الآن ليس من أجل «خروج مشرف من العراق» كما ساد لفترة، بل من أجل وجود دائم وشرعي وغير مكلف بشري أو مادياً. فهذا وحده هو الذي يعطي مبررا يستطيع بوش تقديمه للشعب الأميركي قائلا: لقد خضنا الحرب وقدمنا الضحايا وأنفقنا المليارات، ولكننا في النهاية سيطرنا علي أهم احتياطات البترول في العالم وبها سنعوض ما تكبدناه، وسنضمن احتياجات المستقبل، وسنكون الأقوى في المنافسة مع القوى الأخرى التي تنازعنا لأننا نملك ما لا يملكونه وهو الطاقة.
وهذا هو الهدف الأساسي لأميركا في هذه الشهور الأخيرة من ولاية بوش، وكل ما يجري على الساحة من تهديد ووعيد أو تفاوض ينبغي ـ من وجهة نظر واشنطن ـ أن يكون في خدمة هذا الهدف الكبير الذي تجسد في المعاهدة التي يراد فرضها علي العراق بعد انتزاع الاعتراف من الجميع بأن جيوش أميركا جاءت لتبقي، وأنها لم تقدم ما قدمته من خسائر بشرية ومادية لكي تخرج خالية اليدين.
وتبدو واشنطن على عجلة وقد حددت نهاية يوليو لإقرار المعاهدة لأنها تعرف أن القرار بعد ذلك سيكون صعبا ولأنها تريد استغلال الأمر في معركة الرئاسة، ولأنها ترى أن الظروف مواتية.. في الداخل: الأكراد يرحبون للحفاظ على مكاسبهم، والسنة مضطرون للموافقة خوفا من نفوذ إيران، والشيعة مشغولون بحروبهم الداخلية وبحلم الاستئثار بالجنوب..
وفي الخارج: جهود التهدئة أثمرت حتى الآن، وما راثون المفاوضات بدأ على كل الجبهات، ومن يعرف أن المفاوضات لن تحقق شيئا، يستمر في التفاوض حتى لا يكون ضحية انفجار الموقف، والوعود لإيران بتأمين مصالحها تترك الباب مفتوحا لاستعادة العلاقة التقليدية بين الطرفين من أجل «تأمين استقرار المنطقة !!».
هكذا الحسابات على الورق، ولكن الواقع في العراق المنكوب يطرح السؤال الذي يتهرب منه الجميع: هل سيقبل شعب سقط منه مليون ضحية للاحتلال الأميركي أن يمنح الشرعية لهذا الاحتلال .. وإلى الأبد؟!
كاتب صحافي مصري