ليس من المبالغة في شيء القول انه بالرغم من استمرار أعمال العنف والمواجهات المسلحة في العراق، بل وتصاعدها واتساع نطاقها احيانا، وهو ما عبر عن نفسه في عودة ظهور الجثث مفقودة الهوية مرة اخرى وبأعداد غير قليلة، الا انه يبدو ان الاوضاع في العراق الشقيق تتجه - وان كان ببطء - نحو التحسن ولو النسبي، ليس فقط سياسيا، بل امنيا واقتصاديا كذلك.

ففي الوقت الذي عادت فيه صادرات النفط العراقي إلى الارتفاع مرة اخرى - وهو ما يعني توفر مزيد من القدرة والامكانية لدفع عمليات إعادة البناء - فإن علاقات العراق مع جيرانه تشهد تحسنا ملحوظا، وهو ما سجلته الزيارات الاخيرة لعدد من المسؤولين العراقيين لكل من المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية والجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي زارها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قبل ايام من ناحية، واتجاه أكثر من دولة عربية إلى تسمية سفرائها لدى العراق تمهيدا لعودتهم إلى العاصمة العراقية لممارسة مهامهم من ناحية ثانية.

اما على الصعيد الأمني فإنه يبدو أن القوات العراقية تسعى إلى فرض وجودها وممارسة مهامها في اجزاء ومناطق متزايدة من المحافظات العراقية، وبما يضع قوات الأمن والقوات المسلحة العراقية امام مسؤولياتها، وهو ما تعمل حكومة المالكي على تحقيقه بأسرع وقت ممكن.

ومع الوضع في الاعتبار ان العراق حكومة وشعبا يحتاج، خاصة في هذه المرحلة، دعما ومؤازرة عربية اكثر من أي وقت مضى، فإنه من المؤكد ان التحسن الملموس في علاقات العراق مع محيطه الإقليمي، من شأنه ان ينعكس ايجابيا على الأوضاع في العراق، خاصة في ظل الدور الذي يمكن ان تسهم به الدول المجاورة للعراق في تهدئة الأوضاع فيه وفي الدفع أيضا نحو مزيد من الالتقاء بين القوى العراقية المختلفة، سياسية ودينية وطائفية وغيرها، إذ انه من المعروف ان نهوض العراق إنما يقوم على عاتق أبنائه وقواه الوطنية في المقام الأول وكما كان دوما.

وفي ظل طبيعة الأوضاع التي يمر بها العراق، منذ اجتياحه قبل أكثر من خمس سنوات من جانب، وفي ظل تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية على ارضه وبسبب ثرواته ايضا من جانب آخر، فإن ما اكد عليه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي خلال زيارته لطهران من ان العراق لن يكون أبدا منطلقا او مصدرا لتهديد أي من جيرانه، من شأنه ان يفتح المجال واسعا ليس فقط نحو تعزيز الثقة بشكل أكبر بين العراق وجيرانه، ولكن أيضا للسير نحو تعزيز التعاون والمصالح المشتركة والمتبادلة لصالح كل دول وشعوب المنطقة ومن أجل السلام والاستقرار فيها ايضا.

اما فيما يتصل بالقوات الاميركية في العراق وطبيعة العلاقات التي تربط بينها وبين الحكومة والشعب العراقي الآن وفي السنوات القادمة، فإن المفاوضات الجارية الآن بين حكومة المالكي وبين الادارة الاميركية من شأنها ان تحدد طبيعة وأسس ذلك ومداه في ظل ما تراه الحكومة العراقية معبرا عن مصالحها ومساهما في تحقيق مصالح الشعب العراقي الشقيق في الحاضر والمستقبل. ولأن هذه المسألة هي في النهاية من صميم الاختصاص الداخلي للعراق، فإنه من غير المناسب وربما من غير المفيد تحويلها إلى مجال للشد والجذب لأن القيادة العراقية ستحدد في النهاية ما هو في صالح العراق دولة وشعبا.

اما تحويل هذه المسألة إلى قضية للتنافس والصراع السياسي العراقي الداخلي، لأسباب سياسية تخص هذا الفريق او ذاك من القوى العراقية، فإنه ينطوي على مخاطر حقيقية لما يمكن ان يترتب عليه من نتائج سوف تزيد بالضرورة من التحديات التي يواجهها العراق، ومن الثمن الذي ينبغي دفعه لتجاوزها أيضا.