هل تعتبر الضجة التي أثارها العلمانيون في تركيا حول «الحجاب» حملة مغلفة ضد مبادئ الشريعة الإسلامية؟ في ظني لا. فهي حملة موجهة بالدرجة الأولى ضد النظام الديمقراطي التركي، ومبعث الضجة أصلاً أن البرلمان الذي يسيطر عليه «حزب العدالة والتنمية» بزعامة رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة أجاز تعديلاً في الدستور اقترحه الحزب يقضي بإلغاء حظر على حرية النساء في ارتداء الحجاب.

على هذا النحو كان القرار البرلماني هزيمة ديمقراطية لكتلة الأقلية العلمانية. ولمعالجة فشلهم في حلبة الصراع الديمقراطي فإن قادة هذه الكتلة لجأوا إلى المحكمة الدستورية.

وكما كان متوقعاً فإن المحكمة الدستورية انتصرت لدعواهم. لماذا كانت النتيجة متوقعة؟

لأن قضاة المحكمة الأحد عشر ينتمي جميعهم إلى الاتجاه العلماني، لكن ليس هذا من قبيل الصدفة. فالمؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها تقليدياً الحارس الأعظم للنظام العلماني الذي أسسه كمال أتاتورك هي التي تتولى أمر تعيين القضاة.

الدولة التركية العلمانية الأتاتوركية أنشئت في عام 1923 بهدف القضاء على الهوية الإسلامية للشعب التركي. لكن الآن وبعد مرور 85 عاماً فإن هبوب رياح التغيير في تركيا أخذ يشتد بعد بروز أجيال جديدة تتشوق للعودة إلى الهوية الأصلية الإسلامية، هذه الأجيال هي التي تجاوبت مع حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي فأتاحت له اكتساب الانتخابات البرلمانية مرتين على حساب الأحزاب والمنظمات التي ترفع شعارات العلمانية الأتاتوركية.

ومما لا شك أن هذه التنظيمات العلمانية تدرك تماماً أن المستقبل المرئي ليس لها طالما ظل النظام الديمقراطي حياً وقائماً بحرياته في التعبير والتنظيم، ومن هنا كانت مراهنتها ليس على الديمقراطية وإنما على البقاء السياسي للمؤسسة العسكرية المتسلطة.

إنها معركة مصيرية ليست مسألة الحجاب سوى فصل واحد من فصولها المبكرة. ومع مرور الأيام سوف يشتد الصراع مع لجوء حزب أردوغان إلى كل ما هو متاح له من الأدوات والآليات الديمقراطية، ولدعم موقفه الإيجابي في معركة الحجاب قد تقرر قيادة الحزب طرح الأمر على استفتاء شعبي..

ثم تعمد بعد ذلك إلى وضع دستور جديد يتضمن ضمن أشياء أخرى تقليص سيطرة المؤسسة العسكرية على القضاء، وإجمالاً يبدو أننا نشاهد الآن العد التنازلي لزوال دولة أتاتورك العلمانية. إن مشكلة العلمانيين في تركيا بالمقارنة مع العلمانيين في الغرب هي أنهم أولاً يتخذون تجاه الدين موقفاً عدائياً عوضاً عن موقف حيادي.. وثانياً أنهم باعتمادهم على القصر العسكري لا يقيمون وزناً للقيم والمبادئ الديمقراطية.

opinion@albayan.ae