»حلم بلدان القارة الإفريقية هو رؤية أسود يصل إلى البيت الأبيض«. هذا ما كتبته الصحيفة السنغالية الكبرى »الشمس« قبل عدة أسابيع تحت عنوان عريض يقول: »إفريقيا تنتظر أوباما«. هذا مفهوم ومنطقي من قارة ترى »أحد أبنائها« يصعد، ويصعد حتى مسافة قريبة من رئاسة أعظم قوة في عالم اليوم. مفهوم من قارة رأت في اوباما »مانديلا الأميركي«.
»أغلى أمنياتنا هي رؤية باراك اوباما على رأس الولايات المتحدة«. الصحيفة صاحبة القول هذه المرّة ليست سنغالية، ولا كينية باعتبار أن والد باراك هو من كينيا.
ولكنها مجلة »داي زيت« الألمانية وبقلم ناشرها الذي لم يتردد في توضيح أن المقصود بـ »نا« هي بلدان أوروبا الغربية. مثل هذا القول تكرر ما يشابهه في صحف ومجلات مختلف هذه البلدان. وهذا الحماس ليس مفهوما تماما ويحتاج إلى توضيح.
ولم يكن رئيس الحزب الاشتراكي ــ الديمقراطي الألماني الطامح بمنصب المستشارية في الانتخابات القادمة أقل وضوحا عندما أعلن أنه يتمنى بصراحة فوز اوباما؛ ذلك على أساس أنه »سيفتح« أميركا على العالم ولن »يغلقها« كما ينبئ نجاح ماكين. أيضا وعلى غرار هذا السياسي الألماني أعلنت أوروبا السياسية »غير الرسمية« أنها »ميّالة« لاوباما، وبحيث أن »الاوبامانيا« بدت وكأنها صناعة أوروبية.
في المحصلة، ورغم أن الأوروبيين لا يعرفون في الواقع الشيء الكثير عن اوباما فقد استطاع أن »يلهب« مخيلتهم وشعبيته تتعاظم لديهم وصوره تحتل منذ أشهر صدر الصفحات الأولى في مختلف الجرائد والمجلات الأوروبية دون استثناء.
باختصار وصلت »الحمّى« الانتخابية الأميركية إلى أوروبا بدرجة لم تعرفها أبدا في السابق. ولا شك أن وصول مرشح أسود إلى خوض المعركة الرئاسية الأميركية قد فتح »الملف العرقي« من جديد والقارة الأوروبية معنية به أيضا. هذا رغم أن أفق بروز »اوباما أوروبي« لا يزال بعيدا.
أما أوروبا »الرسمية« فهي على نفس الخط ولكن »البروتوكول« لا يسمح بالتصريحات. ثم إن جورج دبليو بوش يقوم بجولة وداعية لـ »القارة القديمة« التي كان قد »تصالح« معها بعد الأزمة العراقية في مطلع عام 2003. هذه القارة تتعامل مع بوش بقدر كبير من »اللامبالاة«.
أحد الدبلوماسيين صرّح بمناسبة جولة بوش الوداعية في أوروبا أن الأوربيين يستقبلون بوش لكنهم ينتظرون اوباما أو ماكين. إنهم يودعون في الواقع بوش »دون أسف كبير« ففترته كانت شديدة السلبية في العلاقات الأطلسية وتحوّل الاحترام الذي كانت تحظى به الولايات المتحدة لدى الأوروبيين إلى نوع من الغضب المشوب بالخوف والقلق.
ذلك إلى درجة أن جيريمي شابيرو، مدير مركز أوروبا ــ الولايات المتحدة في مؤسسة بروكينغ بواشنطن، قال بالحرف الواحد: أفضل ما يفعله بوش للعلاقات بين جانبي الأطلسي هو تركه لمنصبه.
إن شخصيتي جورج دبليو بوش وجون ماكين سببان أساسيان، بين جملة من الأسباب لجعل أوروبا تميل إلى اوباما. الأوّل خلّف إرثاً ثقيلاً على ساحة العلاقات الدولية ــ حتى الآن ــ كما في بلاده.
وكمؤشر فقط دلّ مؤخرا استطلاع للرأي لدى 109 مؤرخين أمريكيين أن 98 بالمئة منهم يرون أن فترة بوش كانت فشلا ذريعا بينما أعرب 61 منهم أنها أسوأ ما عرفته البلاد في تاريخها الحديث.
والثاني، أي ماكين، فإنه لا يعطي في واقع الأمر أهمية كبيرة للقارة الأوروبية »العجوز«. أحد مستشاريه للسياسة الخارجية كاري شميت كان صريحا عندما قال قبل فترة وجيزة: إن السناتور ماكين رجل مجرّب عارف بالأمور وهو لا يفرّط في تعويله على العلاقات عبر الأطلسي.
ويدرك جيدا أنه باستثناء الوقوف في وجه الاتحاد السوفييتي لم تتفق وجهات نظرنا سوى في حالات نادرة. ما ينقصنا هو الوصول إلى مفهوم إستراتيجي كامل.
باراك اوباما بالمقابل يعد بـ »شهر عسل« أميركي ـــ أوروبي إذا جرى انتخابه رئيسا. ويؤكد أنه سوف يعمل سريعا على سحب القوات الأميركية من العراق، وهذا مطلب أوروبي يتفق عليه الجميع بما في ذلك الحلفاء الانجليز ضمنا.
أما ماكين فهو صاحب التصريح الشهير القائل إنه مستعد على الإبقاء للقوات الأميركية في العراق لمدة قرن كامل، إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وهناك نقطة أساسية أخرى تقارب بين أوروبا وباراك أوباما، ولها علاقة مباشرة مع برنامجي المرشحين. إن برنامج المرشح الديمقراطي يقترب كثيرا من الاهتمامات الأوروبية من حيث البعد الاجتماعي وخاصة من حيث التأكيد على التوازن الدولي وعلى »الانفتاح« على بقية العالم، وذلك في مواجهة »أميركا الجبّارة« التي تؤكد على منطق قوتها كما يرسمها برنامج »ماكين«.
برنامجان، و»موديلان« لأميركا. أحدهما عنوانه »الاستمرارية« والآخر »التغيير«. و»أوروبا« مع التغيير »في أميركا«، فالاستمرارية تعني زيادة الهوّة أكثر فأكثر بين جانبي الأطلسي. ثم إن فكرة التغيير نفسها لها جذورها في التقاليد السياسية الأميركية.
إن توماس جيفرسون، صائغ إعلان الاستقلال الأميركي أكد أنه لدى أميركا »قدرة إعادة صياغة العالم«. لا شك أن أوباما أقل طموحا، فهدفه المفهوم والواضح للعيان، والكبير بنفس الوقت، هو تغيير صورة »اليانكي« الكريه العالقة بأميركا.
ومجرّد وصوله، وهو ذو الأصول الإفريقية إلى المنصب الرئاسي ــ إذا حصل ـــ هو النقيض لتلك الصورة.
هنا لا بد من فتح قوسين والقول إن نهج أوباما في ميدان السياسة الخارجية لا يزال مشوشاً حيال القضايا الكبرى المطروحة على العالم اليوم وفي مقدمتها قضايا الشرق الأوسط فليس هناك ما يسمح بالقول إنه سيكون، إذا فاز، أقل انحيازا لإسرائيل من جورج دبليو بوش.
الجميع ينتظرون في أوروبا، وفي غير أوروبا، الرئيس الأميركي الجديد بعد ثماني سنوات »عجاف«.
مع ذلك من المشكوك فيه أن يكون تغيير السياسة الخارجية الأمريكية بالقدر الذي يتمنّاه الأوروبيون وغير الأوروبيين. إن السياسة تسيّرها المصالح، وسلوكيات الرؤساء لا تتناظر بالضرورة مع وعود المرشحين.
كاتب سوري ـ باريس
