هل العالم العربي فاقد لإرادة التقدم؟ يقينا لا.

فالمشروعات النهضوية العربية كثيرة ويجمع بينها جميعا أنها عمليات »تنمية« مخططة من أعلى، من تجربة عبد الناصر في مصر لمحاولة صدام حسين في العراق، ولكن الحصيلة محزنة.

ومهما اجتهد المجتهدون في إرجاع السبب إلى هذا العامل أو ذاك، من تدخل أجنبي أو موارد شحيحة أو.. فإن الحقيقة التي أصبحت تؤكدها تجارب الآخرين ومحاولات الرصد العلمي الدقيق تؤكد أن »الروشتة« التي حاولنا بها معالجة الوعكة الطويلة التي يمر بها العالم العربي روشتة خاطئة، وأن المشكلة لم تكن في التنفيذ أبدا، رغم أن الأمانة تقتضي الإقرار بأوجه قصور كثيرة جدا في الممارسة.

والروشتة الجديدة التي يمكن أن يؤدي تطبيقها بشكل صحيح إلى تغيير الواقع العربي لا تضم إلا 3 وصفات طبية: الحرية والمال والكفاءات. وقد أصبحت تجارب التقدم في الغرب وخارجه ثروة حقيقية. ففي التجربة الماليزية مثلا أدرك رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد الأهمية الاستثنائية لنقل العلم الغربي فأرسل خلال عشر سنوات نصف مليون ماليزي للخارج في بعثات تعليمية.

ولمن يريد الاستفادة بتجارب الآخرين، بدلا من استيراد (رؤى كونية) وإحلالها محل سياسات اقتصادية ندعو إلى أهمية تجاوز البنى الهرمية الاقتصادية القديمة، وإلى اعتماد المعايير الجديدة لتقييم كفاءة الاقتصاديات ومدى تمتع المجتمعات بالعافية.

ومن أهم المعايير الجديدة درجة تقدم اقتصاد المعرفة، وحسب المؤشرات المعروفة تفصلنا عن العالم المتقدم فجوة معرفية تتفاقم باطراد، بأثر من التسارع المذهل في المسار العلمي في الدول المتقدمة من جهة، وبطء الخطى العربية في اللحاق بذلك المسار من الجهة الأخرى. وقد صار بديهيا القول ان ردم هذه الفجوة المعرفية من الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد أصبحت هناك دراسات مقارنة تخرج باستمرار من مؤسسات مختلفة لتقارن وترتب دول العالم ـ أو بعضها ـ تنازليا أو تصاعديا حسب معيار معين، وفي دراسة طريفة عن المشاركة العربية على موقع (ويكيبيديا) وهي موسوعة إلكترونية يساهم الجمهور في تأليف موادها عبر الإنترنت، تضم حاليا أكثر من عشرة ملايين مقالة شبه علمية، وزارها قرابة 174 مليون مستخدم في العام الماضي.

وفي دراسة مقارنة لحجم تأثير الثقافات المختلفة على هذا الموقع بلغ عدد المتطوعين العرب للإسهام في هذه الموسوعة (فبراير الماضي) أقل من ألفين، في حين كان عدد المتطوعين الإسرائيليين أو الناطقين باللغة العبرية أكثر من أربعة آلاف. وبلغ عدد المقالات العربية 34 ألف مقالة مقابل 60 ألف مقالة باللغة العبرية رغم أن عدد متحدثي اللغة العربية يزيد على ثلاثمئة مليون نسمة، بينما يصل عدد متحدثي اللغة العبرية إلى قرابة 7 ملايين شخص، بحسب إحصاءات »ويكيبيديا«.

ويرجع اتساع »فجوة المعرفة« عربياً إلى عناصر متنوعة مثل قلة المخصصات المالية، وانعدام الحرية الأكاديمية، وعدم العناية بالكفاءات العلمية، وقلة وعي الدارسين والباحثين، في المقابل تبلغ نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الموازنة العامة للولايات المتحدة حوالي 3.6%، و3.8% في السويد و2.7% في اليابان و2% في فرنسا. ولا تزيد هذه النسبة على 1% في الدول العربية.

وطبقاً لمؤشرات العام الحالي لما يسمى »الجاهزية الإلكترونية«، احتلت الإمارات المرتبة الـ 35 والسعودية الـ 46 ومصر الـ 57 في حين احتلت الولايات المتحدة الترتيب الأول وإسرائيل الترتيب الـ24 بحسب تقرير أكاديمي دولي.

لقد قال الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قديما إن نظام حماية الملكية الصناعية هو الوقود الذي يشعل نار الإبداع، والإبداع هو القاطرة الحقيقية للتقدم، لا ملكية الدولة لوسائل الإنتاج ولا حشد الموارد ولا الخطط الخمسية ولا.. بل نظام حماية الملكية الفكرية.

وملاحظة لها أهمية فقائلها واحد من أهم رؤساء أميركا على الإطلاق وقد واجهت أميركا تحت حكمه أسوأ أزمتين في تاريخها: الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية.

وهذا الوقود يكاد يكون محرما في العالم العربي، فقوانين الملكية الفكرية ما زالت ضيفا غير مرغوب فيه وثقافة الملكية الفكرية غائبة، فلا تقاليد ولا وعي بأهمية هذه القوانين وبالتالي فإن فئة المخترعين الذين غيروا تاريخ الغرب بل تاريخ العالم على وقع ابتكاراتهم، لا مكان لهم في تصورنا للتقدم والتنمية، والنسبة الأكبر من هؤلاء المبتكرين يحلمون بالرحيل.

لقد جنت على مشروعات النهضة في العالم العربي أخطاء كثيرة بينها تغليب دور الإرادة على دور المعرفة، وما زال البعض بعد انهيار التجربة السوفيتية، والفشل المتكرر في التجارب العربية يردد مقولات حماسية ويراكم أرقاما وإحصاءات مربكة ويؤكد أن الإرادة هي ما ينقصنا، فهل يمكن أن يأمل المريض في التعافي بتطبيق وصفات طبية خاطئة؟!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com