منذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديداً بعد انتهاء جولات الحرب العدوانية الدموية الإسرائيلية ضد لبنان صيف العام الماضي، بدأت تتعالى الأصوات الإسرائيلية الحكومية والعسكرية والأمنية، تتحدث عن واقع الجيش الإسرائيلي، الذي فقد «الهراوة الردعية» في حربه الأخيرة على لبنان، فدفعت إسرائيل ثمناً بشرياً ومعنوياً فادحاً.
وعن مديات الاستعداد العسكري السوري لتوجيه ما أسماه البعض في إسرائيل (ضربة عسكرية قاسية) لإسرائيل، بل وحدا البعض من القادة الإسرائيليين للقول بأن إسرائيل ستبقى تعيش تحت كابوس (الضربة القاتلة من جيش محترف ومن نظام اتخذ قضية فلسطين عنواناً قومياً عقائدياً).
فالمصادر الأمنية الإسرائيلية تشير إلى رغبة سورية للعودة للمفاوضات عبر البوابة التركية ومنها الأميركية، لكنها ومعها المصادر العسكرية تؤكد بأن الخيار التفاوضي السوري ليس وحيداً بعد أن أكدت سوريا أكثر من مرة أن هناك «خيارات أخرى» لديها لاستعادة هضبة الجولان. فلم يعد الأمر مقتصراً على الخيار السياسي وحده، في الوقت الذي دأبت فيه المصادر العسكرية الإسرائيلية أيضاً بالحديث عن ازدياد قوة الجيش السوري خصوصاً في مجال الدفاع الجوي والردع الصاروخي.
ففي ترافق مواز للحديث المتفائل، والدائر عن إمكانية تحقيق اختراق تفاوضي على الجبهة السورية الإسرائيلية عبر القناة التركية، وهو حديث مبالغ به على كل حال، قللت المصادر الأمنية الإسرائيلية من احتمالات إحراز تقدم حقيقي في المفاوضات مع سوريا، بل وحدت المصادر القيادية في شعبة الاستخبارات العسكرية المعروفة باسم (أمان) لإعادة نشر التقديرات المختلفة التي تتحدث عن عدم جدية الموقف السوري.
في الوقت الذي تواصل فيه دمشق تطوير بنية الجيش السوري، وتطوير نظام الدفاع الجوي السوري بمعونة من موسكو، إلى درجة اعتبر فيها اللواء احتياط جيورا ايلاند رئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي سابقا (في فترة محادثات السلام مع سوريا في عام 2000) رئيس مجلس الأمن القومي، أن التغيرات التي حصلت بين 2000 - 8002 في قدرات وفلسفة البناء في الجيش السوري يفترض بها أن «لا تحدو بإسرائيل لصنع السلام مع سوريا»، فالتطوير في فلسفة العقيدة العسكرية السورية لايوفر لإسرائيل وفق ايغلاند «الاطمئنان».
ويحذر من خطورة التغير الدراماتيكي الذي مر به الجيش السوري في السنوات الأخيرة، مردداً القول «بينما كنا في غفوة استطاع الأسد الوصول إلى توازن استراتيجي مع إسرائيل».
وعلى هذا الأساس فإن ايغلاند يوصي بوضع شروط إسرائيلية قاسية على سوريا أمام أي استحقاقات قادمة لعملية تفاوضية مع سوريا، ومن بين الشروط القاسية يوصي بترتيبات أمنية تبعد الدبابات السورية عن الجولان وتبقي الحدود منزوعة السلاح وطالبت بمحطات إنذار فوق هضبة الجولان، وتوفر للجيش الإسرائيلي إمكانية الوصول للجولان قبل الجيش السوري في حالة انهيار عملية السلام.
وعليه ففي تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي ينتمي إليها ايغلاند، فإن الجيش السوري بات منذ انهيار النظام السوفييتي، يركز جهوده على ثلاثة صنوف من الأسلحة هي «الصواريخ المضادة للدبابات، والصواريخ الحديثة ضد الطائرات، ووضع الاستثمارات الهائلة في الصواريخ الموجهة للعمق الإسرائيلي»..
حيث تضع المصادر العسكرية الإسرائيلية على الخيارات العسكرية السورية الأخيرة تحت اسم «نهج التفاضل» وهو نهج مستخدم من قبل حزب الله منذ سنوات وقد تبنته حماس نسبياً في غزة، وفيه يتم من خلال الحصول على صواريخ متطورة مضادة للدبابات من طراز «كورنيت وماتيس» وهي من أفضل الصواريخ في العالم، إضافة إلى صواريخ «كريزن تاما» التي تعتبر متطورة أكثر من صواريخ «كورنيت وماتيس».
إضافة إلى تطوير ترسانة الكاتيوشا التي تمكن من سدنتها من إطلاق الآلاف منها على شمالي «إسرائيل»، فضلاً عن صواريخ أرض ـ أرض ذات رؤوس قتالية بمئات الكيلوغرامات تطلق بالتوازي من العمق السوري نحو «إسرائيل».
أما الوحدات المضادة للطائرات فتستخدم صواريخ (اس 300) التي تهدد التفوق الجوي المطلق لسلاح الجوي.
واستناداً إلى رؤية تكاد تكون متطابقة، بين بعض المواقع المؤثرة في القرار الإسرائيلي، فإن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ترى بأن تغييراً بنية الجيش السوري تتأتى كل يوم بصورة دراماتيكية.
حيث ازدادت وحدات الكوماندوز وقل عدد وحدات المدرعات، فأصبحت ملاكاته ثلاثة ألوية من المشاة مقابل كل لواء مدرعات، الأمر الذي يلخص تغيراً في الرؤية السورية على صعيد إعادة بناء فلسفة عسكرية جديدة من خلال استراتيجية حرب العصابات، تقوم على إعادة بناء الجيش السوري، بصورة مغايرة تماماً، تأخذ بعين الاعتبار تجربة حرب صيف العام 2006، واستناداً لصعوبة تحقيق توازن تقليدي مباشر.
وذلك عبر وضع تصورات جديدة يتم من خلالها الاعتماد على خلايا كوماندو صغيرة تنتشر بهدوء بين الجبال من خلف صخور البازلت، مجهزة بصواريخ كورنيت المتطورة القادرة على تدمير وإعطاب دبابات ومجنزرات الجيش الإسرائيلي التي قد تحاول أن تجتاز الحدود المنطقة الفاصلة أو التوغل في الأراضي السورية، وتجنب خوض القتال فوه مقابل فوه.
وبالرغم من ذلك، فإن القوات المسلحة السورية وفق المصادر الاستخباراتية الإسرائيلية قامت بتزويد الدبابات المتقادمة التي قل عددها بصواريخ من نوع «أي.تي 10» ذات المدى الذي يتجاوز 5 كيلومترات حتى تتمكن من شن معركة بالدبابات عن مسافة بعيدة.
أما في مجال الدفاع الجوي فإن المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تزود الجيش السوري بصواريخ (اس 18) المتطورة جداً، وبطاريات صواريخ (اس 300) القادرة على ضرب الطائرات من مدى 200 كيلومتر ولذلك تعتبر أكثر تطوراً من صواريخ الباتريوت الأميركية، وعلى هذا الأساس فإن قادة أجهزة الأمن في إسرائيل يوصون كلاً من الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية لممارسة الضغوط على روسيا لدفعها لوقف تزويد الجيش السوري بهذه المنظومة المتطورة التي قد تمس بتفوق الجوي السوري.
وفي مجال صواريخ ارض ارض، فإن المخابرات الإسرائيلية تشير أيضاً أن الجيش السوري ما زال يحرص على إقامة منظومة صواريخ سكاد من طراز بيوسي القادرة على الوصول إلى أية نقطة في إسرائيل وحمل رؤوس كيماوية. وفي السنوات الأخيرة يصرفون أموالا كثيرة على الصواريخ قصيرة المدى من قطر 220 ملم من إنتاج الصناعات العسكرية السورية التي تصل إلى مدى 70 كيلومتراً وصاروخ 302 ملم ذو مدى 150 كيلومتراً في موازاة ذلك تسعى سوريا للتزويد بصواريخ روسيه حديثة طويلة المدى من طراز «اسكندر» وهناك تزود بوسائل قتالية لمجالات أخرى ولكن بأحجام منخفضة.
كاتب فلسطيني ـ دمشق