يبدو أن غياب المشروع الاتحادي العربي وتقاعس الدول العربية عن تأسيس كيانها الاتحادي العربي أو دراسة تكوين الاتحاد العربي الأفريقي، صنع فراغا أغرى كلا من أميركا وأوروبا للتمدد فيه، تحت عناوين مختلفة لمشاريع متعددة تستهدف إلحاق الدول العربية المجزأة في عصر التكتلات والكيانات الكبرى، بالقوى الدولية المتحدة الكبرى، والهدف إما أمركة أو أوربة العرب أو أطلستهم!
وكان طبيعيا ومطلوبا أن يتشاور العرب، كل العرب، ويطيلوا الدراسة للمشروع الذي طرحه عليهم أولا الرئيس الفرنسي ساركوزى لإقامة «اتحاد متوسطي» وتبناه الاتحاد الأوروبي لاحقا، لاقتطاع جزء من مشروع «الاتحاد العربي» وجزء من إطار «الاتحاد الأفريقي» تحت المظلة القارية الأوروبية بقيادة فرنسية، وهو ما يبدو للوهلة الأولى خصما من مشروع العرب في الاتحاد وخصما من الاتحاد الأفريقى لحساب أوروبا، ليبدو متعارضا ومتقاطعا مع الإطار العربي الذي يجمع كل الدول العربية تحت مظلة الجامعة العربية، ومع الإطار الأفريقى الذي يجمع كل الدول العربية المتوسطية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.
من هنا جاء التحرك الليبى إيجابيا وفي وقته تماما، لعقد القمة التشاورية للدول العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط بغالبيتها المغاربية الأفريقية، للتدارس المشترك والتوصل إلى رأي عربي مشترك في هذا المشروع الملغم والملتبس والمتعارض مع المشاريع الاتحادية العربية والأفريقية.
حيث يقسم العالم العربي في الواقع إلى قسمين، الأول متوسطي تحت المظلة الأوروبية، والثاني خليجي آسيوى يستهدف وضعه تحت المظلة الأميركية، ليكون كل العرب في القسمين في النهاية تحت مظلة الحلف الأطلسي بضفتيه الأوروبية والأميركية، وهذا ما ترفضه الشعوب العربية بكل تأكيد، بعد أن قسمت فرنسا مع بريطانيا في سايكس بيكو من قبل الوطن العربي الواحد إلى أكثر من عشرين جزءاً!
وأظن أن غالبية الشعب العربي، سواء في الدول العربية المتوسطية أو في الدول العربية الخليجية، أولى بها التحرك الجاد للاتحاد مع بعضها، بتحويل الجامعة العربية إلى مظلة اتحادية تقضي على الفراغ المغري بالطمع فيها وتقطع الطريق على محاولات المشاريع الأميركية والأوروبية لمواصلة السعي لتقسيم المقسم وتجزيء المجزأ العربي، لتوسيع خرائطهم الجغرافية على حساب خريطتنا المهشمة بالجدران والأسلاك الشائكة والخطوط الحمراء بعقلية قطرية ضيقة، في عصر ألغى فيه الأوروبيون الحدود والسدود والقيود بين دولهم وشعوبهم، فانطلقت أوروبا كيانا كبيرا وقويا في عصر الأقوياء الكبار، وبقينا نحن مهشمين ومهمشين نمثل بكياناتنا الصغيرة وضعفنا الكبير إغراء للطامعين الكبار.
وأتصور أن ما عبر عنه الزعيم العربي الليبي معمر القذافي من رفض لهذا المشروع الفرانكو أوروبي، في افتتاحه للقمة العربية المتوسطية التي عقدت في العاصمة الليبية طرابلس، كان تعبيرا عن غالبية الرأي الشعبي العربي الواعي، بل والرسمي الواعي في الدول العربية سواء التي حضرت أو التي غابت.
حيث كان إيجابيا حضور جميع الدول المغاربية بلا استثناء على مستوى القمة، وحضور سوريا ممثة بالرئيس بشار الأسد رئيس القمة العربية، والتي لم تغب عنها سوى مصر ولبنان، فضلا عن فلسطين ولها عذرها طبعا لأنها تحت الاحتلال الصهيوني!
.. ولكن لماذا غياب الذين غابوا؟! أهو الخصام مع الشقيق أم الحرج من الصديق؟!