في ما بدا أنه خليط من المراجعة والتراجع ـ ولو لفظياً ـ تواضع الرئيس الأميركي جورج بوش وأقر بأن خطابه عشية غزو العراق كان من العيار الحربجي. أبدى «أسفه»، خلال مقابلته مع صحيفة «التايمز» البريطانية، لأنه بدا «تواقاً للحرب». كلامه مصيب، ولو ملتو. لكنه متأخر. والأهم من كل ذلك أنه لم يتعلم ولا حفظ الدرس.
في التوصيف، كان في الدائرة الصحيحة. الصورة التي ارتسمت عنه، كانت تماماً كما حدّدها. لكن ليس بسبب التعبيرات التي استخدمها، كما قال. ارتسمت، لأنه اتخذ قرار الاجتياح. ذلك القرار، يكفي لوضعه في هذه الخانة، سواء كان قد أسبقه بتعابير حربية أم لا.
العلّة لم تكن في المفردات التي تداولها. كانت في خيار الحرب والإصرار عليه، من خلال التلفيقات والذرائع المفتعلة، التي لجأت إليها إدارته لتسويغ تلك المغامرة التي دمّرت بلداً ووضعت المنطقة على حافة البركان.
وبكل حال أتى اعترافه بعد فوات الأوان بكثير.
توالت مناسبات وفرص عديدة ومرت سنوات خمس، كان بإمكانه أن يبادر، ولو بالتلميح، إلى التصريح بمثل هذا الكلام. لكنه لم يفعل، ليس فقط من باب المعاندة والمكابرة. بل لأن هكذا إشارة تستلزم إلحاقها بخطوات تصحيحية.
إن لم تكن عكسية. ولما كان الرئيس بوش، ناهيك بفريق الصقور في إدارته وعلى رأسهم نائبه تشيني؛ الشيء الوحيد الذي ينفع ـ إذا صحّ التعبير ـ كان العبرة من مغامرة العراق. دروسها واضحة. على رأسها أن الأولوية في النزاعات، للحوار والحلول السلمية.
كما أن الدور الأساسي في هذا المجال ينبغي أن يكون ويبقى، للأمم المتحدة والقنوات الدبلوماسية. الخيار العسكري يجب أن يبقى خارج التداول. على الأقل في المرحلة الأولى من نشوء الخلافات. الإطاحة بالواقع ومحاولة زرع بديل مكانه، بالقوة العسكرية، مغامرة محكومة بالمخاطر والكوارث؛ مهما بلغت قدرة هذه القوة.
فالشق الأول منها قد يكون ميسوراً، بحكم التفوق. الثاني، تجربة العراق تقدم الجواب الشافي عن مصيره. مع ذلك لا ينفك الرئيس بوش، كما نائبه، عن التلويح بل التهديد، بالخيار العسكري؛ في تعامله مع الملف النووي الإيراني. كما لا ينفك عن منح المزيد من الدعم والأضواء الخضراء لإسرائيل، كي تتمادى في غيّها ورفع وتيرة عدوانها وتهديداتها، ضدّ الشعب الفلسطيني. آخرها كان الحديث علناً عن عملية اجتياح كبير لقطاع غزة.
خيار الحرب أو التلويح به، كان وسيبقى مقامرة؛ لا تأتي سوى بالويلات والخراب. المنطقة نالت من هذه البضاعة ما يكفي، على يد إدارة بوش. حسبه، أن يكفّ عن لغة الحرب يعفيها من المزيد، قبل تقاعده القريب.
