يشعر المرء أحياناً أنه من السذاجة بمكان؛ إذ تبدو القيم الروحية والإنسانية التي عاشت في عقله ووجدانه طوال عمره مستفَزة بصورة عجيبة وهو يتأمل الواقع، ويرى أن الحقائق تنقلب رأساً على عقب، أمام التزييف والتضليل، لدرجة يبدو فيها المرء في حاجة إلى صدمة قوية لتمكنه من الإفاقة من الغشيان والذهول.
وقد تعودنا على ما درج عليه الكُتّاب والمفكرون والعقلاء والمتبصرون من أن للسياسة لغة خاصة ومنطقاً معيناً لا يندرج في قاموس القيم والمبادئ والأخلاق، وعلى الرغم من خطأ هذه المقولة الفادح لأن السياسة يجب أن تستند إلى الأخلاق، وألا تتعارض مع المبادئ الإنسانية العامة، فإن الأمر يبدو مذهلاً حقاً، حين يوظف العلم والمعرفة أداة للتضليل والتزييف وقلب الحقائق.
أقول هذا وأنا أستذكر بعض المواقف التي تعرضها علينا أجهزة الإعلام على ألسنة بعض المثقفين من أبناء جلدتنا أو من أعدائنا المتسربلين بالعلمية والموضوعية، ومن العجب أن أحد أبناء جلدتنا يقف مدافعاً عن فكرة مفادها أن القضية الفلسطينية يجب ألا تكون قضية العرب الأساسية، ويقدم أطروحته بصورة غاية في التضليل.
لماذا؟ لأن القضية الأساسية ليست احتلال فلسطين وإنما الأنظمة العربية، ولاسيما العسكرية التي سلبت المواطن حقه في العدالة والحرية والعيش الكريم، فقد تاجروا بالقضية وظلوا من هذا المنطلق يسومون شعوبهم الخسف ويحرمونهم التنمية ظلماً وادعاء.
ومن العجب العجاب أن يبدو كمن يقرأ «ولا تقربوا الصلاة... » دون أن يكمل لأنه بالفعل لم ينطلق من موقف موضوعي أصلاً، بل هدفه أن يلغي أركان المعادلة الأساسية في رؤية المعضلة الأساسية التي واجهها العرب منذ مطلع النهضة الحديثة حتى الآن، وهي أن الصهيونية العالمية والغرب الاستعماري أراد زرع كيان عدواني يقسم جناحي الأمة العربية ويحول دون تنميتها ووحدتها واستقرارها ويسمح بمتوالية من التشظي والتقسيم لا يعلم مداها إلا الله.
فالذين ركبوا الدبابات وأخطأوا الهدف في كثير مما سعوا إليه، والذين تاجروا بالقضية وأطلقوا الشعارات الفارغة لا يمكن أن يكونوا مسوغاً للتنكر للقضية الأساسية العادلة، وإلا فما المسوغ الأخلاقي لكل دعوة أو قضية تبدو خالية من المحتوى الأخلاقي أو القانوني أو الإنساني؟
إن الذين تاجروا بالقضية مثلهم مثل من يساوم عليها أو يتنكر لها، فالقضية الفلسطينية من حيث الجانب الأخلاقي والجانب الواقعي والبراجماتي هي قضية العرب الأولى لأنها لا تمس الشعب الفلسطيني الذي يعاني الويلات منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ويتصدى للغول المتربص بالأمة والأمة شبه غافلة لاهية، وإنما تمس الأمة كلها.
إن وضع القضية الفلسطينية هو المسؤول المباشر عما أصاب الأمة من تخلف وتمزق وتناحر، وسواء أردنا أن نهادن أو أن نقاوم فإن أي أحد غير آمن تجاه ما يحاك ضده واقعاً ووجوداً. فالذين يتجاهلون هذا الخطر الماثل الداهم يضحكون على أنفسهم ويبيعون هذراً لا قيمة له في مجال الحكمة والعقل والواقع.
ولست الآن في مجال الكشف عن النوايا الحقيقية التي تقف وراء هذه المقولات التي تدعو إلى إطعام الناس بدل مقاومة الاحتلال، فقد كشفت الحقائق وتكشف التصريحات المتوالية عن مقولات إيديولوجية وسياسية مذهلة، وهي بلا شك تدخل في باب الأساطير، فحين سئل أحد أساتذة الجامعات الإسرائيليين المتعصبين عن الاستيطان في مدينة القدس وما حولها أجاب بصلف يستمد من ثقافته الأسطورية التوراتية: ماذا تريدوننا أن نفعل؟
هذه أرضنا، لقد كنا هنا قبل ثلاثة آلاف عام حين كنتم تئدون البنات وتشربون الخمر. وماذا يمكنك أن تقول وسكان فلسطين وجودهم مستمر منذ آلاف السنين بلا انقطاع. فهل نحن في حاجة إلى الاستماع إلى رأي ذلك المثقف الحكيم من أبناء جلدتنا الذي يسوق فكر العدو ويدس السم في العسل، ولا يحترم العقل ولا الوجدان، ولا يلتفت إلى بديهيات في نظر أطفال فلسطين بل أطفال الوطن العربي كله.
ويقع ضمن هذا المنظور ما نراه من موقف المثقفين اليهود في الكيان الصهيوني،إذ إن هذا الموقف لا يتجاوز الموقف الصهيوني الأصولي من فلسطين والشعب الفلسطيني، ففلسطين ليست إلا لليهود، والشعب اليهودي هو شعب الله المختار.
وعلى هذا النحو لابد لهذه الفئة من السكان الفلسطينيين الاعتراف ابتداء بأنهم أغيار أغراب عن هذه الأرض التي هي الوطن القومي والتاريخي لليهود، وهو ما يذكر بالنظرية الصهيونية الأسطورية التي لا تتحدث عن الدين وحسب، ولكنها تتحدث عن النقاء العرقي الأكذوبة بعد أن فرق القائد الروماني تيطس اليهود في فلسطين في الآفاق عام 79 بعد الميلاد.
ولعل هذا ما بدا في كلام أستاذ الأدب العربي في الجامعة العبرية شموئيل موريه أو سامي المعلم اسمه قبل مغادرة وطنه الأصلي العراق إلى فلسطين. فهو لا ينظر إلا بعين واحدة ويكاد يتفطر من الألم على اليهود الذين يصابون بالصواريخ البدائية التي يطلقها المقاومون في غزة.
ولا يطرف له جفن حين تنقض الطائرات الحربية المتطورة بصواريخها وقنابلها الفتاكة على رؤوس العباد والبلاد، ولا يرى في المعادلة إلا فئة من المتطرفين الإرهابيين يقضون مضاجع الآمنين المستوطنين الذين جاءوا من كل أقطار العالم على أنقاض شعب اقتلع من جذوره.
وإذا كان من صحوة ضمير فما هي إلا محاولة لإظهار الموضوعية الزائفة ذراً للرماد في العيون حين يطالب بعضهم بالنظر إلى المشكلة برمتها على أنها مشكلة إنسانية دون الغوص إلى جوهر المشكلة الحقيقي، وهو إنكار الحقوق الأساسية لشعب يريد أن يعيش آمناً في وطنه كما يعيش سائر الناس.
إن أية محاولة للدوران حول المشكلة الأساسية لا يمكن أن يضمن الحل الدائم؛ فثمة ظلم فادح وقع على هذا الشعب المظلوم، ولا يستطيع أحد في الداخل أو في الخارج أن يحرم مواطناً من وطنه، وإلا فإن الصراع سيظل مفتوحاً على مصراعيه لأجيال لا يعلم نهايتها إلا الله.
جامعة الإمارات
