لا تناقض في الواقع بين المبادئ والمصالح.. أعنى المبادئ النبيلة والمصالح المشروعة، وبالتالي لا تناقض بين السياسة التي تقوم على المبادئ والسياسة التي تستهدف المصالح، ولكن التناقض في الواقع ينتج من سياسة بلا مبادئ أو مصالح بلا مشروعية.. لأن المبدأ في الأساس لم يثبت كمبدأ إلا لكونه يحقق المصلحة العامة، لكن المصالح الخاصة هي التي يمكن أن تخالف المبدأ.
ولا تناقض بين الحكمة السياسية والالتزام بالمبادئ الوطنية، فالحكمة السياسية التي تسعى لتحقيق المصالح الوطنية المشروعة تعني ببساطة تلازم مبدأ الحكمة الأخلاقي بمبدأ المصلحة السياسي لكل مكونات الوطن وليس لفئة على حساب فئة، وإذا جاز القول إن الحكمة السياسية تعني تلازم مشروعية المصلحة مع مشروعية المبدأ، فإنه من الواضح أن لا أحد يعتنق مبادئ مشروعه ضد مصالحه المشروعة، ولكن قد يسعى البعض منا إلى مصالح غير مشروعة ولكن بالتخلي عن مبادئه المشروعة!
والبعض يظن أن السياسة هي فن تحقيق المصلحة بغض النظر عن المبادئ الأخلاقية أو القيم الإنسانية وينظر إليها كوسيلة لا يهم أن تكون أخلاقية أو مبدأية طالما كانت تستهدف تحقيق المصالح الوطنية، غير أن المصالح الوطنية لا يمكن أن يحققها إلا أناس وطنيون، ولا وطنية بلا مبادئ وطنية ولا مبادئ وطنية بلا قيم أخلاقية وإنسانية، تسعى لتحقيق الغاية الشريفة بوسائل شريفة لا بإرهاب القوة، ولا بسطوة النفوذ ولا بإغراء المال!
من هنا يكون إعلاء المبادئ على المصالح هو الترجمة الصحيحة للحكمة السياسية، كما يكون التحرر من الارتهانات الأجنبية المعادية للوحدة، وتحرير الإرادة الوطنية والعربية من الارتباطات غير العربية وغير الإسلامية، وتقديم مصلحة الأمة فوق مصلحة الوطن، وإعلاء مصالح الوطن على المصالح الحزبية، والسعي للمصالحة الوطنية بين القوى الوطنية المختلفة،
والعمل على تحقيق الشراكة الديمقراطية العادلة للحكم، والتعامل مع إرادة الشعوب وحدها باعتبارها هي الشرعية الحقيقية، هو الترجمة الصحيحة للالتزام الوطني والقومي والديني، أخلاقياً وسياسياً أيضا.
و ليس من الحكمة السياسية ولا من الوطنية ولا من العروبة ولا من الإسلام في شيء، هذا الحال المؤلم من الانقسام السياسي الحاد الذي يلبسونه ثوبا مذهبيا أو طائفيا أو عرقيا بين بعض القوى الوطنية أو بعض السياسات العربية خدمة لمؤامرة الفتنة،
أو هذا التحريض ضد الوحدة الوطنية من أدوات إشعال الحروب الأهلية العربية، والتناحر غير السامي بين الساسة باسم الديمقراطية، والتنافس المحموم على الزعامة الإقليمية، والصراع المذموم على الاستئثار بالسلطة وإقصاء الشريك الوطني الآخر، في الواقع الوطني والعربي والإسلامي.
ولقد أصبح هناك معيار واحد لدى الجماهير العربية للحكم على مدى رشد الساسة وحكمة السياسة، ومدى التزام الساسة بمسؤوليات السياسة، ومدى عروبة الساسة قبل قطرية السياسة، ومدى وطنية الساسة قبل حزبية السياسة، هذا المعيار هو الموقف من مسألة الوحدة الوطنية في أي بلد عربي أو إسلامي، والموقف من مطلب الوحدة العربية، والموقف من هدف التضامن الإسلامي.
وبهذا المعيار أصبح ممكنا للأمة وللرأي العام العربي والإسلامي أن يحدد من يقف معها ومن يقف ضدها، من يعمل لتحقيق إرادتها ومن يعمل لتحقيق إرادة أعدائها، ومن يسعى لتحقيق مصالحها ومن يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية أو الحزبية بربط مصالحه بمصالح أعدائها ولو على حساب مبادئ ومصالح الوطن والأمة.