دعوة أولمرت للبنان «ليعلن عن رغبته في بدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بعد الإعلان عن المفاوضات مع سوريا»، عابقة بالخبث وطافحة بالدسّ. توقيتها وظروفها، تنطق بذلك. ناهيك بالسوابق. فالحديث الإسرائيلي عن السلام، دائماً ملغوم. في أحسن أحواله، ذرّ للرماد في العيون. التجارب الكثيرة تشهد. إسرائيل صاحبة تراث غني وتاريخ حافل، في هذا المجال.

والآن هي تجدد هذه اللعبة المقيتة وتؤكدها، لكن بمكر مفضوح؛ من خلال عرضها، المحشو بالقنابل العنقودية، على لبنان. وهي بكل حال سبق وزرعت في جنوبه الملايين من هذه البضاعة القاتلة. فجأة يستدير أولمرت بطبقه التفاوضي، نحو جاره الشمالي. وكأن لغة السلام هبطت عليه للتوّ. أو كأن خيار التفاوض مطروح الآن على هذا المسار. في حين أنه أبعد ما يكون عنه.

الواقع أنه لا هذا ولا ذاك. رئيس الحكومة الإسرائيلية، المحشور والمضغوط من كل صوب، في ساحته الداخلية، يحاول بدعوته اللبنانية؛ إصابة أكثر من عصفور بحجر. من جهة ربما أراد إشاعة الاعتقاد بأنه يشن هجوماً شاملاً على السلام؛ بضمه المسار اللبناني إلى المسارين الفلسطيني والسوري؛ اللذين لم تتعدّ حصتهما، من السلام الإسرائيلي المزعوم، حدود الثرثرة والوعود الفارغة.

ومن جهة ثانية، هو بالتأكيد أراد حقن الساحة اللبنانية بشحنة سموم؛ تزيد من تأزمها وإرباكها؛ ومتمنياً، بلا شكّ، أن تساهم في رفع منسوب احتمالات التفجير فيها. وهنا بيت القصيد من التفاتته الماكرة تجاه لبنان. فهو يدرك دقة الوضع اللبناني، في لحظته الراهنة.

كما يعرف مدى هشاشته وسرعة عطبه. ولادة حكومته لم تبصر النور بعد. العوائق والتعقيدات، لا تزال عصية في طريق تركيبها. مضى على اتفاق الدوحة، حوالي ثلاثة أسابيع، من أن يترجم منه سوى بند انتخاب الرئيس؛ الذي على أهميته، لم ينتقل معه البلد بعد إلى ضفة الاستقرار؛ ولو النسبي.

الحالة الأمنية لا تزال تشهد اهتزازات يومية. ثمة مخاوف مشروعة من الغرق من جديد بأزمة حكومية، وحتى أمد قد يطول؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك، من مخاطر ومجازفة؛ تهدّد الوضع بالانزلاق إلى المربع الأول أو ما هو أسوأ.

إسرائيل رأت في مثل هذا المناخ، فرصة سانحة لتحاول صبّ الزيت على ما يمكن أن يساهم في تسريع إشعال النار من جديد. وإلاّ ما معنى قفز أولمرت من قطار مسار إلى آخر، من دون أن يؤدي كل تشدقه بالسلام؛ إلى تقدم بمقدار بوصة واحدة في هذا الخصوص؟ كان حريّا به، هو والرئيس بوش، أن يعمل على ترجمة ذلك على المسار الفلسطيني.

حسناً فعل اللبنانيون، على اختلاف تلاوينهم السياسية،عندما جاءت ردودهم بمثابة صفعة لدعوة أولمرت المسمومة. المكر في السياسة يمكن أن يكون جزءاً من اللعبة. لكن في إسرائيل، المكر كار عتيق في سياستها.