لم أفهم حالة الصدمة والإحباط التي ألمت ببعض السياسيين والكتاب العرب بعد أن ألقى أوباما خطابه المؤيد لإسرائيل.

فتلك لم تكن المرة الأولى التي يقول فيها ما قاله. فمن يقرأ خطاب أوباما في المؤتمر السنوي لإيباك في عام 2007 يجد أنه استخدم العبارات نفسها التي استخدمها في خطابه الذي ألقاه منذ أيام في المؤتمر السنوي للمنظمة نفسها. صحيح أنه لم يتحدث وقتها عن القدس إلا أنه وصف أمن إسرائيل »بالمقدس« وقال إنه لا يمكن تحقيق السلام إلا من خلال الأمن، وهى فكرة إسرائيلية بامتياز.

وفى خطاب 2007 أيضا، أكد أوباما على ضرورة احتفاظ إسرائيل بتفوقها العسكري النوعي ودعا إلى عزل حماس وحزب الله وتعهد بعدم فرض أية حلول على إسرائيل. وقد كرر أوباما طوال العام الماضي تلك العبارات وغيرها الكثير للتعبير عن تأييده لإسرائيل.

لكن يبدو أن البعض عندنا لا يسمع إلا ما يريد أن يسمعه ولا يميز بين ما يمثله أوباما للأميركيين وما يمثله لغيرهم. فأمل الأميركيين في أن يحدث أوباما تغييرا يمس حياتهم ومستقبل أولادهم لا يعني بالضرورة أنه سيكون بمثابة تغيير بالنسبة لغيرهم إلا بشروط.

ولعله من المهم أن نسأل أنفسنا نحن العرب ونجيب عن السؤال بصدق، هل كنا فعلا نتوقع أن يقول أوباما غير ما قال؟ ذلك لأن المرشح الديمقراطي رجل سياسة وهو يسعى للفوز بأعلى منصب في بلاده. وهو من ثم يحسب خطواته وأقواله بمنطق المكسب والخسارة الانتخابية.

وإذا كانت تكلفة مناهضة إسرائيل باهظة بينما لا توجد تكلفة على الإطلاق إذا ما ناهض المصالح العربية، فما الذي يدعوه إذن للانتحار السياسي؟ لا يجوز، إذن، في ظل التردي العربي الراهن، أن نتوقع من أحد أن يتطوع للدفاع عن مصالحنا بالمجان.

ثم إن أوباما تحديدا يتحرك في إطار إرث ثقيل من التوتر التاريخي في العلاقة بين السود واليهود. صحيح أن الجماعتين كافحتا معا في حركة الحقوق المدنية، إلا أن التوتر برز لاحقا لأسباب متعددة ومعقدة لا مجال للخوض في تفاصيلها هنا، ولكن كان أحد مصادر ذلك التوتر هو العلاقة الوثيقة التي ربطت في ذلك الوقت بين إسرائيل وحكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والدعم المستمر الذي كانت تحصل عليه تلك الحكومة العنصرية من إسرائيل.

وكان رفض اليهود الأميركيين وقتها إدانة ذلك الدعم هو الذي أحدث صدعا عميقا في تلك العلاقة التاريخية.

ومن ثم فإن أوباما الذي يهدف للفوز بمنصب الرئاسة يسعى لرأب الصدع مع كتلة تصويتية مهمة عبر التأكيد على أنه يمثل جيلا جديدا من السياسيين السود الذين نشأوا بعد تلك المرحلة التاريخية، ولم يحملوا بالتالي مراراتها، بما فيها ما نتج عن موقف اليهود الأميركيين من دعم إسرائيل للنظام العنصري في جنوب أفريقيا.

وهو حتى يؤكد ذلك المعنى عليه أن يكون واضحا في تأييده لإسرائيل. وربما يلعب انفصال أوباما مؤخرا عن الكنيسة السوداء دورا مساعدا في هذا الاتجاه، لأن الكنائس السوداء هي أهم معاقل دعم الحقوق الفلسطينية وانتقاد الجرائم الإسرائيلية.

ما معنى كل ذلك؟ هل معناه ألا أمل في أوباما وألا فرق بينه وبين المرشح الجمهوري جون ماكين؟

للإجابة عن تلك الأسئلة تحضرني مقولة بالغة الدلالة جاءت على لسان الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت. كانت قيادات إحدى القوى السياسية الكبرى قد ذهبت للقاء الرئيس. وبعد أن شرحوا موقفهم من قضية تهمهم طالبوه باتخاذ قرار لصالحهم. وقد أنصت روزفلت بكل اهتمام لمحاوريه. وبعد أن انتهوا من عرض ما حضروا من أجله قال لهم »لقد نجحتم في إقناعي بوجهة نظركم.

أما الآن فعليكم أن تنطلقوا للعمل على الأرض لتجبروني على أن اتخذ القرار الذي تطالبوني به«. وكان يقصد بذلك حركة منظمة تحدث التعبئة السياسية التي تشكل ضغطا على صانع القرار.

وأهمية ما قاله روزفلت هو أنه يعبر بدقة عن طبيعة السياسة الأميركية. فالنظام الأميركي يشبه جهاز الكمبيوتر الذي لا يفهم إلا اللغة الإلكترونية التي يحفظها. فإذا ما حاولت إدخال معلومات أو بيانات بلغة مختلفة فسوف يعجز عن التعامل معها أصلا. والنظام الأميركي لغته هي الضغط.

وهو لا يفهم أية لغة أخرى. والضغط لغة لا تستخدمها فقط جماعات المصالح، وإنما هي لغة يستخدمها كل من يريد التأثير في واشنطن. فالكل يضغط على الكل، إن شئت الدقة: الكونجرس يضغط على الرئيس وجماعات المصالح تضغط على الكونجرس وعلى الرئيس بل ويضغط الرئيس والكونجرس على جماعات المصالح نفسها. ولا يجوز لمن لا يشترك في لعبة الضغط تلك أن يتوقع أية استجابة لمطالبه.

وكما هو واضح مما قاله روزفلت، فإن القناعات الشخصية للرئيس لا تكفى لاتخاذ قرارات راديكالية كبرى خصوصا لو كانت الضغوط المختلفة تسير في عكس اتجاه قناعاته.

بعبارة أخرى، إذا ما تولى أوباما الرئاسة، فإنه لن يتخذ مواقف متوازنة بشأن القضية الفلسطينية ما لم تكن هناك ضغوط تضطره اضطرارا لذلك، والسبب في ذلك أن هناك قوى منظمة تضغط بقوة في الاتجاه العكسي.

ولما كان الضعف العربي الراهن يحرمنا من أن نكون نحن أحد مصادر تلك الضغوط المطلوبة، فإن الأمل يكمن في القوى التقدمية المنضمة للحركة المؤيدة لانتخابه. وفى هذا الجانب تحديدا فإن هناك فارقا ضخما بين أوباما وماكين.

فأوباما إذا ما توافرت الظروف والضغوط المطلوبة سوف يكون أكثر استعدادا للاستجابة لها، لأنه من ناحية قد نجح إلى حد كبير في أن يحرر حملته من نفوذ الأموال التي تنفقها جماعات المصالح، الأمر الذي يحرره من أسر اللوبى الإسرائيلي وغيره من جماعات الضغط.

ومن ناحية أخرى، لأن ماكين يتبنى رؤية المحافظين الجدد ليس فقط إزاء المنطقة ككل وإنما أيضاً إزاء الديمقراطية الأميركية نفسها، الأمر الذي يجعله ـــ مثل إدارة بوش ـــ أكثر عدوانية إزاء الحركات الاجتماعية ودورها وأقل استجابة لضغوط الرأي العام.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com