يعتبر تنظيم الإخوان المسلمين أحد أقدم التنظيمات السياسية في المنطقة . فبدايات تشكله تذهب إلى ما يفوق الستة عقود أو قد يزيد عن ذلك قليلا أو كثيرا.

وقد ساعدت بداياته الخيرية وتفاديه لأي شكل من أشكال الصدام المعلن مع السلطة في أن يحافظ على قواعده وأن يراكم من قوته. وتتميز الجماعة عن غيرها من الحركات الإسلاموية السنية بطبيعتها النخبوية المدينية. فالكثير من قياداتها السياسية من الحاصلين على قدر كبير من التعليم ومن الذين احتلوا مناصب قيادية على الصعيد الوظيفي والفكري.

كما وقد ساعدت طبيعته النفعية أو لنقل «البرجماتية» في أن يلعب التنظيم أدوارا وظيفية وأخرى سياسية غير معلنة على صعيد الداخل. وقد استطاع التنظيم بفعل ذلك أن يخترق الكثير من مؤسسات الحكم في الخليج بل وأن ينظم بعض أفرادها ضمن خلاياه التنظيمية . وأن تفتح له الأبواب وتدار الآذان لسماعه أو بالأحرى «تهويلاته» عن الآخر في فترات الصراع . وأن يقدم نفسه كداعم ونصير . وهو في هذا أحد أكثر التنظيمات السياسية العربية قدرة على اقتناص الفرص وتوظيف الظرف.

إن ظروف المرحلة الماضية في الكويت وفي مناطق أخرى من الخليج قد مكنت الجماعة من أن تحتل بعض قياداتها الفكرية والسياسية مواقع متقدمة في الدولة وفي القطاع الخاص. فالبعض منهم قد وصل إلى مناصب وزارية والبعض الآخر كما في الكويت قد وصل لمنصب نائب رئيس مجلس الوزراء والبعض منهم كذلك قد اقترب كثيرا من صانع القرار أو أصبح منطِقَهُ قادرا على التأثير فيه.

وأعتقد أن مجموعة من الأسباب قادت بالفعل إلى السقوط المدوي لجماعة الإخوان في الانتخابات الكويتية الأخيرة . وهي أسباب وإن تكون خاصة بالداخل الكويتي إلا أنها تعكس حالة تبدل في المزاج والرؤية العامة من الإخوان وانكشاف خطابهم الذي رغم يافطته الدينية إلا أن الأمور الدنيوية بل المغرقة في الدنياوية تحكم مضامين الخطاب وممارساته على الواقع. وبشكل عام يمكن إيجاز هذه الأسباب في التالي:

أولا: يقوم الخطاب الإخواني على نزوع مفرط لامتلاك ثلاث عناصر رئيسية للقوة والمتعة سأذكر اثنين منها وأغيب ثالثها : السلطة والمال و....... حيث يصف فارس الوقيان جماعة الحركة في الكويت بالقول: «إن عقدة المنتمين(للحركة..)هي حب المال والإثراء بشكل جنوني وبطريقة مشروعة وغير مشروعة» (أوان/26/مايو) ويقترب هذا الكلام كثيرا من نقد القوى المعارضة لها بوصفها تتسم بقدر من النفعية السياسية وإن وظف البعض من الناقدين لها تعبير «البرجماتية السياسية» تلطيفا لا نفيا للأول.حيث بات الناس في الكثير من المواقع الخليجية يتحدثون عن ظاهرة الثراء السريع لبعض قيادات الحركة السياسية ورموزها الفكرية ولربما الدينية.

ثانيا: هناك انطباع يوصله البعض لقناعة راسخة من صعوبة الوصول مع الإخوان لأي قدر من الاتفاق السياسي حتى إن أحد قادة السلف في أحد الدول الخليجية وصف حالة التذبذب واللا موقف التي يتسم بها التنظيم بالقول «إن كلمتهم صادقة حتى يفارقوا هذه الغرف». بل إن البعض يرى في ممارساتهم كما أشار في ذلك الكاتب الكويتي فارس الوقيان» بالافتقار للمصداقية السياسية» الأمر الذي يجعل من إمكانياتهم في نسج تحالفات سياسية مع القوى السياسية المعارضة للدولة أو حتى تلك التضامنيات الموالية لها ضعيفة جدا.

ثالثا: تنزع حركة الإخوان في عملها السياسي لتحقيق قدرغير عادي من النفعية الذاتية للتنظيم وأعضائها. فمن غير الممكن . بل من المستحيل أن يدعم التنظيم أي شخصية أو كفاءة وطنية مستقلة أو حتى محسوبة على التنظيمات أو التضامنيات الأخرى . وإن فعلت لا بد أن يكون لها مردود وعائد على التنظيم وجماعته.

وهي في ذلك توظف كل الأساليب السياسية الشرعية واللا شرعية لإيصال المحسوبين على تيارها الأخواني لسدة رئاسة مؤسسات الدولة والقطاع الخاص . وبالتالي العمل على إغلاق هذه المؤسسات على لونها السياسي بل في بعض مناطق الخليج على لون اثني واحد دون الآخرين.

وهناك من الأمثلة الكثيرة التي تشير إلى أن استيلاء الاخوان على مؤسسات الدولة وبعض القطاعات المالية لم يساهم فحسب على طرد الكفاءات الوطنية غير المحسوبة على التيار وإنما في إصابة هذه القطاعات بإخفاقات وظيفية كبرى تؤكدها حالة النظام التعليمي الذي استولوا على أدارته في الكثير من دول المنطقة العربية.

رابعا: تتضخم درجة ولاء الجماعة للتنظيم العالمي لجماعة الاخوان المسلمين على أي انتماء آخر حتى ولو كان وطنيا . وقد يدفعهم أحيانا هذا للدفاع عن رموز محسوبة على التنظيم العالمي على حساب المصلحة الوطنية..

خامسا: رغم أن بعض قيادات تنظيم الاخوان في الخليج تتزعم منظمة «برلمانيون ضد الفساد» . إلا أنها وكما يقول فارس الوقيان يندفع مسؤولوهم «للدفاع عن كوادرهم الوظيفية العليا حتى وإن كانوا منغمسين في الفساد غير الشرعي لمقدرات الدولة على الرغم من وجود وثائق ومستندات تدينهم بالدليل القاطع» (أوان/26/مايو).

الأمر الذي يطرح مرة أخرى مصداقية أطروحات الجماعة حول قضايا محاربة الفساد وأوكاره الذي كما يبدو هو الآخر قد وظفت فيه قوة الأدوات البرلمانية لخدمة الجماعة وأعضائها دون محاولة المحافظة على الثروات القومية.

سادسا: رغم أن التنظيم من حيث المواقف السياسية ولربما الفكرية قد يكون الأقرب لجماعة الإسلام السياسي الشيعي إلا أنه بدا وكأنه أكثر التنظيمات السياسية نزوعا وتبنيا للعصبوية المذهبية ليس على صعيد الكويت فحسب بل إن التنظيم بدا أكثر وضوحا في تبني ذلك في المواقع الخليجية الأخرى.

وخلاصة القول إن خسارة الحركة في الانتخابات الكويتية لم تكن نتيجة لتبدل في المزاج والتوجهات التصويتية للناخبين الكويتيين . وإن هو نتيجة لتبدل في الموقف من جماعة الاخوان. وأعتقد أن الجماعة مطالبة بإعادة ليس فقط ترتيب أطروحاتها السياسية وإنما في رأب الخلل الذي أصاب مصداقيتها لدى الشارع الكويتي بشكل عام.

فإن يخسر 62 . 5% من مرشحي الحركة(خمسة من المرشحين الثمانية) الفرصة في الوصول للبرلمان . وأن يحوز 66 . 6% (اثنان) من الفائزين على الرتب الدنيا من مراتب الفوز لهو أمر بحاجة ليس فحسب لإعادة التفكير في العلاقة بالمجتمع وإنما هو بحاجة لإصلاح هيكلي شامل في خطاب وممارسة التنظيم الذي لم تكن الصورة الأولى التي شيدها الرعيل الأول من المؤسسين الذين كانت رسالتهم وعلاقتهم بالمجتمع لا شخصية أو نفعية أو وصولية.. والله من وراء القصد.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com