كلما فكّرت في مسألة باراك حسين أوباما، الذي سيفوز في الانتخابات الأميركية بمنصب الرئاسة، أجد انه سيدفع البدل الأميركي الضائع مهما كانت فرصته بالفوز كبيرة، وبالرغم من صراع الديمقراطيين والجمهوريين، إلا أن فرصة اوباما مهما كبرت، فان منطق الأحداث اليوم والتاريخ الأميركي لا يسمحان أبدا بأن يكون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية ! صحيح انه يستقطب اليوم كل الناس في العالم والدعاية والإعلام، إلا أن الأوراق الأميركية لم تفرد كلها، وخصوصا ذاك الكامن وراء صنع الأحداث..
فما هو الفرق بين اوباما بدلا ضائعا للرئاسة وبين الفرصة الأميركية المعاصرة التي تديرها المصالح الكبرى التي يستقطبها الجمهوريون وممثلهم المرشح جون مكّين ؟
صحيح أن اوباما قد ولد عام 1961 في هونولولو، بجزيرة هاواي أيام الهوى الديمقراطي بداية عهد جون كيندي، وصحيح أنه من أم أميركية بيضاء، وأب كيني كان يدرس في جامعة هاواي فان أصوله أفريقية من كينيا.. صحيح أن أباه انفصل عن أمه ولم يتجاوز عمر باراك السنتين وافتقد الأب الذي عاد إلى كينيا، إلا أن الولد عاش على حلم البحث عن أبيه، وكتب كتابا عام 1995 بعنوان Dreams from My Father وهو يحكي قصة حياته ومنها لقاؤه بأبيه لقاء حارا بعد سنوات من الافتراق !
وعليه، فان كانت الفرصة الأميركية ثابتة وراسخة في تقاليدها، فان اوباما عاش تناقضات لا حصر لها ابدا، فهو مسلم على دين أبيه بالرغم من إنكاره ذلك، وعاش في كنف زوج أمه في جاكرتا وكان مهندس بترول مسلما تزوج بأمه وأخذها معه إلى اندونيسيا وأنجب منها ابنة غير شقيقة لباراك اسمها مايا. دخل الولد في صباه مدرسة إسلامية لسنتين ثم انتمى إلى مدرسة كاثوليكية أو يهودية.
وعندما بلغ أوباما العاشرة من عمره عاد إلى ولاية هاواي ليعيش حياة مرفهة مع جده وجدته لأمه، وقد عانى أوباما في سنوات المراهقة من مسألة تنوع أصوله العرقية وتحديد هويته الثقافية لدرجة تناوله لفترة وجيزة مخدر الماروانا والكوكايين. ويبدو من التعمق في خفايا مشاعره انه كان يرتبط ارتباطا قويا بذكرى أبيه الكيني وانه يعتز باسمه السواحيلي، إذ يقال إن باراك من البركة العربية، انه ما إن سمع عام 1985 بمصرع والده في حادث سير، حتى سافر إلى كينيا لزيارة قبر والده.
وعليه، إذا كانت عقدة الأب المفقود لاحقته طويلا، وافتقد أمه وهو شاب، فان عقدة ملامحه الإفريقية تلاحقه حتى اليوم، فما بال عقدة الديانة التي صدمته هي الأخرى في مجتمع له اعتباراته، وان الظاهر فيه لا يعكس الباطن أبدا.. انه يدرك ذلك تماما، فهو يتنّصل عن إسلامه، فان نجح في ذلك، فلا يمكنه أبدا التخّلي عن ملامحه وأصوله وبالذات عن اسم ابيه.. وكلها أوراق لها حساباتها في اختيار الرئيس !
وصحيح انه كان ناجحا في دراسته في جامعتي كولومبيا وهارفرد وغدا أستاذاً للقانون في جامعة الينوي وصولا إلى أن يكون سيناتورا في مجلس الشيوخ عام 1996، لكنه أصبح واحداً من أصغر أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي سناً وأول سيناتور أسود في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي.
صحيح انه في إطار حملته الانتخابية، يسعى إلى كسب أصوات اليهود الأميركيين، وافتتح مدونة باللغة العبرية، للتأكيد على تأييده غير المحدود لإسرائيل وتطرفه الزائد تجاه اليهود في العالم، ولتصدي صورة أوباما المعادية لإسرائيل التي أضرت به خلال حملته، أن المعادلة لا تحسب هكذا عندما يتعلّق الأمر بشخص سيحتل الموقع الأول في العالم ويكون رئيسا لأكبر دولة تستقطب إرادتها كل هذا العالم !
لقد كانت الدعاية له لانتخابات الكونغرس عام 2006 كبيرة جدا، وتوقعّت مجلة التايم أن يكون اوباما رئيسا قادما، وتحدثت الإذاعات وشبكات الأخبار عن مستقبله السياسي.. وعليه، فلقد كان الشاب مترددا في الترشيح، ولكن الدعاية وأغلفة أشهر المجلات والمواقع الالكترونية دفعته إلى خوض هذه المغامرة التاريخية التي لا يدرك احد حتى اليوم ما خفاياها والى أين ستقود، وهل من السهولة أن يحكم مثل هذا الرجل أميركا وفي مثل هذه المرحلة بالذات؟
إذا كان اوباما قد تحدث عن حياته الشخصية في كتابه الأول، فانه يتحدث عن حياته السياسية في كتابه الثاني «جرأة الأمل »The Audacity of Hope، ولكنني أراه متذبذب الرأي إزاء أهم قضايا الشرق الأوسط.. ان كان قد اهتم بقضايا أميركا الداخلية اهتماما كبيرا، فان قضايا العالم قد تتفوق كثيرا في حسابات أميركا على اية قضايا أخرى اليوم..
ربما كان خطيبا مفوّها وسياسيا حاذقا، ولكنه اضعف من مواجهة المستقبل. إن من الصعوبة التاريخية على القوى المحركة للأحداث وعلى الشركات الكبرى وعلى أصحاب النفوذ ليس من الجمهوريين وحدهم، بل حتى من الديمقراطيين قبوله رئيسا..
ربما فاز الرجل، لكنه سيواجه حتما تحديات اكبر منه ليس باستطاعته مقاومتها أو الاستجابة لها.. انه سيرضى أن يكون بديلا أميركيا ضائعا وسط عالم لا تقتصر سيرورته على الدعاية والإعلام وصناديق الانتخاب، بل ثمة تقاليد لا يمكن تجاوزها أولا، وفي عالم مشحون بالصراعات التي خلقتها أميركا ثانيا، وفي حياة لم تعد تسّيرها مبادئ الأمس، بل تستحوذ عليها حيتان المستقبل.
مؤرخ عراقي