لم تكد المنطقة العربية تلتقط أنفاسها بعد خلاصها مما وصف بأنه إطار الشرق الاوسط الكبير، بعد ان كفت الولايات المتحدة عن فرضه على الوطن العربي بالقوة الا وطلع علينا الفرنسيون بالاتحاد اليورو متوسطي ليرث بنود الشرق أوسطية مع تغيير العنوان والاطار، لكن يبقى الغرض غير المعلن واحداً، الا وهو جمع شمل اسرائيل وحوالي نصف دول الوطن العربي في إطار واحد دون ان تقدم اسرائيل أي مقابل في مسار التسوية السلمية، فالاتحاد المتوسطي ما هو الا محاولة لمنح اسرائيل تطبيعاً مجانياً وحسب.
ويبدو أن العالم بدأ يتبسط كثيراً في استخدام المصطلحات، وتسخير هذه المسميات لخدمة أغراض جميعها لا تصب في اتجاه المصلحة العربية، فكلمة اتحاد تعني مجموعة تغييرات ايجابية في علاقات الدول المشتركة في هذا الاتحاد، ولنتخذ على ذلك مثالاً من (الاتحاد الاوروبي) فهو يعني وحدة عملة ووحدة اقتصادية وإزالة حواجز جمركية وفتح المنافذ المرورية دون تأشيرات دخول او خروج الى غير ذلك من خطوات (اتحادية) مهمة لم يتردد منها مصطلح واحدة خلال (الطنطنة) المتوالية حول (بدعة) الاتحاد اليورو متوسطي.
لقد رفض العرب التطبيع المجاني مع اسرائيل وقدموا مبادرتهم السلمية من خلال مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في بيروت عام 2002 وصدقت عليها كافة القمم العربية التي تلت تلك القمة المحورية، ونظرا لأن اسرائيل تريد تطبيعا غير مرتبط بمسار العملية السلمية فهي (ومساعدوها) يسعون باستمرار لتقديم طروحات بديلة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب لتصنع (حصان طروادة) اوروبي عربي وتختبئ بداخله لتنفيذ أهدافها العدوانية، وتنفي بذلك غضبة الشعوب العربية التي أخذت تتصاعد في الأوساط التي لم تكن مشهورة بممارسة السياسة من قبل.
وما بين (الشرق الأوسط الكبير) و(الاتحاد اليورو متوسطي) كانت هناك مرحلة (الدول المعتدلة) و(الدول الراعية للارهاب) وهو تصنيف مرت به المحاولات (الاميركية في الاساس)، وبفشل كل هذه التصنيفات آثرت واشنطن ان تتوارى في إطار إنشغالها بمسابقة استبدال الادارة الحاكمة في البيت الابيض.
وتتقدم بدلا منها فرنسا ساركوزي ذات التوجهات المستحدثة. طبعاً جرى تخفيف الاسماء في مسألة (الاتحاد) اليورو متوسطي، فصارت وسائل الاعلام تتناوله باسم (الاتحاد من اجل المتوسط) او (الشراكة المتوسطية) واحيانا يتكلم ساركوزي باسم دول عربية فيقول ان وجود اسرائيل في هذا (التجمع) لا يطرح مشكلة للدول العربية.
لكننا أمام (قمة) عربية مصغرة في لييبا بدأ بعض الرؤساء العرب في التوجه الى طرابلس لحضورها لمناقشة هذا الاطار المطروح من فرنسا للجمع بين اسرائيل والعرب.
ونأمل ان يكون الموقف العربي واضحا من خلال هذه القمة وغيرها حتى لا تكتسب تصريحات ساركوزي مصداقية قد تحوله إلى (متحدث رسمي باسم العرب).
