وجهت العديد من المنظمات الدولية والأميركية انتقادات صارمة لطبيعة سجن غوانتانامو المخالف لكل الأعراف الدولية سواء من حيث القوانين والإجراءات التي تم بموجبها التحفظ على السجناء أو المعتقلين بتهمة الإرهاب الدولي دون محكمة عادلة أو من حيث ظروف السجن وشروطه اللا إنسانية، إذ خضع الموقوفون لجلسات طويلة قاسية وأشكال من ألوان التعذيب المحرمة دوليا.

وقد كان الاتحاد الأوروبي وبرلمانه يعيد كل مرة فتح ملفات معتقل غوانتانامو، ويذكر الولايات المتحدة عن كل ما تمخض بسبب الحرب على الإرهاب من سجون سرية متنقلة أساءت لسمعة بلدان أوروبية أيضاً هم أعضاء في الاتحاد، مما وضع الولايات المتحدة مرة أخرى أمام ما يشبه «المحاكمة السياسية» من أهم حليف وصديق استراتيجي في الحرب على الإرهاب، ولكنه في الوقت ذاته لا يوافقه في الكثير من ممارساته في تلك الآليات التي شوهت مصداقية النظرة الدولية للديمقراطيات الغربية التي كثيرا ما تغنت بنزعتها القانونية والحقوقية وعدالتها الإنسانية في محافل شتى.

اليوم نجد إن الفصول الأخيرة من مسرحية غوانتانامو تتجه نحو إسدال ستارتها الأخيرة بتقديم أهم الأدمغة التي صنعت خيوط الحادي عشر من سبتمبر وتداعياته بحيث لم تعد هناك إمكانية أكثر من الاحتفاظ بهم لمدد أطول، فقد تم عصر كل ما يمتلكه هؤلاء المعتقلون في سجن غوانتانامو من معلومات أمنية وتنظيمية تقود الاستخبارات الأميركية إلى الخلايا النائمة الممكن تحركها في أماكن عدة من العالم.

ما مارسته الولايات المتحدة إزاء هؤلاء المعتقلين كان ما يشبه الحرب النفسية والإعلامية والسياسية والأمنية، ففي داخل ذلك المعتقل السري تحاك الكثير من الأسرار وتصل إليه الكثير من التقارير بعد كل عمليات إرهابية هنا وهناك وتتم اعترافات بعد اعتقالات مفاجئة في مناطق عدة، مما يساهم في المزيد من اتضاح المشهد التنظيمي لهيكلية تنظيم القاعدة عالميا، والذي مارس منذ الحادي عشر من سبتمبر عمليات كبيرة ومتوسطة وصغيرة الحجم في مناطق وجود الخلايا النائمة.

وبفضل العقول المتحفظ عليها في غوانتانامو وفي سجون متناثرة سرية تم جمع ما يمكن جمعه من معلومات ترشح عنها خلخلة التنظيم الذي عجز في السنوات الأخيرة من إقامة أعمال ضخمة من حجم مترو لندن ومدريد والبارجة كول، وظلت ساحات مفتوحة من الصعب تسويتها بسهولة كساحة باكستان والحدود الأفغانية المشبعة بتربية طالبان والقاعدة.

ولكن يبقى السؤال لماذا نبعت أسطورة الزرقاوي والليبي وما تلاه من أسماء صغيرة في الرياض والرباط والجزائر وبريطانيا إن لم تكن هناك خيوط مريبة للعبة الأميركية الخفية في ساحات غريبة!

تبدو أن الساحة العراقية ومحكمة غوانتانامو والانتخابات الأميركية لها علاقة بعضها ببعض، فالإعلام السياسي مدرسة متجذرة في الولايات المتحدة إذ تتحرك بعض الملفات متوازية مع انشغال الرأي العام بقضية ساخنة، ففي العراق هناك موضوع مهم هو الاتفاقية التي تود الولايات الأميركية تمريرها حول وجود قاعدة أميركية في العراق ترفضها بعض الاتجاهات السياسية طالما إن القاعدة تؤثر على سيادة العراق وتهدد دول الجوار مما يعكر هذا الرفض صفو الوضع الأميركي في ظروف انتخابية سمعنا مترشحيها يتجاذبون ويزايدون فيها على سياستهم حول استمرارهم في العراق بشروط مختلفة من مترشح لآخر ولكن ماكين مرشح الحزب الجمهوري كان صوته امتدادا واستكمالا لصوت بوش، وإذا لم ينجز الحزب أهم صفقة أميركية فان اللعبة طوال هذه الفترة تدخله في خسارة كبيرة بعد أن نجح في جعل العراق ساحة مفتوحة لكل أنواع الصدامات الإقليمية والإرهاب الدولي، فهل تبقى محكمة غوانتانامو بعيدة عن رغبة الحزب الجمهوري الذي يشك في نجاحه الانتخابي فعليه الاستعجال بمحاكمة أهم العقول بأسرع مما يمكن في كلا الحالتين خسارته الانتخابية أو نجاحه، فانه وضع أعناق تلك الأدمغة في التاريخ مثلما تمت اللعبة مع محاكمة صدام، فإنهاء ملف المحاكمة بات مهما للحزب الجمهوري كما هو الملف الإيراني، فمؤخراً أخذنا نسمع حدة الصوت الإسرائيلي ترتفع بقوة بعد زيارة اولمرت الأخيرة إلى واشنطن، وكأنما تل أبيب ناطق بالوكالة عن الصوت الأميركي، فهناك خطابات دبلوماسية متناوبة، كما هو صوت شاؤول موفاز نائب رئيس وزراء إسرائيل الذي هدد بتدمير إيران ونجاد إن لم توقف تطوير برنامجها النووي.

يبدو إن الشهور الستة الأخيرة من العام 2008 ستكون حافلة بثلاثة جوانب سياسية، احتمال الضربة الاستباقية لإيران، اتساع حلقة الاحتجاجات والصدامات في العراق حول اتفاقية القاعدة، وثالثا محاكمة أهم رموز الإرهاب الدولي والانتهاء منهم بعد إشغال العالم بفصول المسرحية، فيما تتواصل الانتخابات الأميركية بضجيج إعلامي طويل يقدم الانتخابات الأميركية كنموذج هام في العالم في عصر الفضائيات، ولكن المفاجأة التي تبقى في طي السرية لماذا عجزت الاستخبارات الأميركية من اصطياد ثلاثة وجوه لطالما جعلت من تصريحاتها صوتا إعلاميا مدويا على محطات فضائية وعلى مواقع الكترونية ؟!

وسمحت لها بالتحرك كيفما تشاء في مساحة جغرافية محددة بهدف متابعة الخيوط النائمة هنا وهناك. فهل تصطاد الاستخبارات الأميركية خلال هذه الشهور بن لادن والظواهري والملا عمر أم تتواصل المسرحية بشكل أطول تاركة حزب المحافظين خلفه ملفات من السرية سيفتحها علنا الحزب الديمقراطي واوباما عندما يصل لسدة السلطة.

وبذلك يسدل ستار لعبة غامضة وحرب قذرة كان طرفاها الإرهاب الدولي ومشاريع النظام العالمي الجديد الإستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط الكتل الإسمنتية والجدران الفاصلة بين الأنظمة العالمية. وكان لابد وان تشعل بعدها حروب إقليمية ليتم إعادة رسم الخرائط الجديدة واقتسام العالم بشكل مختلف لكي تسدل ستارة القرن العشرين بانتصار «نادي الأثرياء» وتبدأ حقبة جديدة.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com