عندما يجتمع ممثلو الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية في أوروبا لمناقشة السبل الرامية لتنقية أجواء الحوار في ما بينهم، فإنهم يفعلون ذلك أحياناً بشكل مسرحي بعيد عن الواقع، وغالباً ما ينتهي الاجتماع دون التوصل لأية نتائج عملية ملموسة برغم الجهد الكبير الذي يبذله هؤلاء في التنظيم والأداء.

فالحوار ينطلق عادة من عبارات عامة قد تكون فارغة من أي مضمون، تتركّز في الغالب وفي الإطار العام، على تلك الرغبة الجامحة الموجودة لدى الجميع للتعايش مع بعضهم البعض، مذكّرين بين الفينة والأخرى بالمبادئ السامية والتسامحية التي تختزنها دياناتهم السماوية والتي تحرّم على هذا الطرف أو ذاك أن يعبّر عن كراهيته حيال الطرف الآخر، أو ممارسة أي شكل من أشكال العنف ضده.

لكن إذا أخذنا الواقع الذي نعيشه كمثال صارخ على ما يحدث فعليا، يتبيّن لنا بأن الحوارات المتكررة والتي تبقى بلا شك حاجة ملحة، لم تؤد للأسف إلى ما تصبو إليه الأمم على اختلاف مشاربها، حيث إن البعض يصر على التقوقع في دائرة معتقداته الدينية التي تضع له حدودا معيّنة لا يمكنه تجاوزها.

إضافة إلى ذلك، وصل مستوى الكراهية إلى معايير باتت تنذر بعواقب وخيمة، أقلّها ازدياد أعداد المتأثرين بما تروّج له الماكينة الإيديولوجية التي تتخذ من الدين أساساً لانطلاقها، وأبرزها تلك التي تبشّر أو تتوافق مع صراع الحضارات واستحالة تعايشها أو بقائها إلى جانب بعضها البعض.

وفي هذا السياق أقول بنبرة فيها كثير من القلق والترقب، بأن الديانة الإسلامية تبدو في ظرفنا الدقيق هذا الأكثر عرضة من غيرها للانتقاد والتهجّم، انطلاقاً من الاعتبارات الإيديولوجية الكثيرة التي أشرنا إليها، ولأنها قد تكون ـ حسب ما يشاع عن غير وجه حق ـ الديانة الأكثر ارتباطا بمظاهر العنف، باعتبار أن أكثر الحركات السياسية التي تنشط في العالم حاليا ضمن ما يسمى «حركات التحرر التي تتبنى العنف المسلح»، تتخذ من الدين الإسلامي ركيزة أساسية لأي نشاط فكري تختزنه، وكذلك لأية حركة عملية قد تقوم بها على الأرض ( أكان ذلك نضالا أم جهادا أم إرهابا ). ولستُ هنا في وارد تقييم صحة وجدوى ذلك النشاط أو العقيدة الفكرية.

حيث أن ذلك هو حق يتمتع به كل شخص يؤمن بحرية الفكر والتعبير، ويفترض به تاليا أن يتعلم فن تصنيف الأمور بين ما هو مفيد لديانته وما هو مضر لمصالحها.

وإذا أخذنا الأمور انطلاقا من منتديات الحوار التي تنظم في أوروبا بين وقت وآخر، تبيّن لنا جملة من الأمور التي قد يكون من المفيد الاطلاع عليها للاستفادة من البيئة الحوارية القائمة، وأهمها كيفية الاستعداد لمواجهة القضايا المطروحة، من خلال اختيار الكفاءات القادرة على مخاطبة العقل الأوروبي بلغة سهلة ومنطقية قابلة للفهم بسرعة.

وفي هذا السياق فإن التجارب علّمتنا بأن الأطراف الأخرى تحرص خلال منتديات مشابهة على اختيار ممثليها بدقة متناهية، فتراهم قادرين على خوض الحوار بمزيج من الجدية والصرامة في دفاعهم عن دياناتهم، وموضوعية فريدة في تقبل وجهات نظر الطرف الآخر، معتمدين بذلك على ما يقدمه العلم الحديث من تقنيات في فن الحوار والإقناع المنطقي، الذي بات من الملح أن يتعرف إليه أيضا بعض علمائنا الأفاضل وأساتذتنا الذين يتولون في الوقت الحاضر مهمة الدفاع عن الدين الإسلامي ومزاياه النبيلة والراقية في منتديات كثيرة حول العالم.

ويفترض بهؤلاء دون أدنى شك، أن يكونوا ملمّين باللغات الأجنبية المطلوبة، لأن خوض الحوار مع الطرف الآخر بلغته الأم هو أمر في غاية الأهمية، أخذا بعين الاعتبار أن الترجمة لا تكون دقيقة تماما وبالتالي فإن عملية نقل الفكرة قد تتأثر بتأثيرات مختلفة، ما يسمح بتحقيق نتيجة قد تكون في نهاية المطاف معكوسة تماما وغير تلك التي أردنا تحقيقها.

ويجب أن أعترف، بأن ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع هو أحد المنتديات الحوارية الذي عقد مؤخرا في مجلس الشيوخ التشيكي وشارك فيه ممثلون عن الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية، حيث برزت خلال هذا المنتدى نفس المعضلة التي تلازم الحوارات الشبيهة منذ زمن بعيد: فممثلو الديانات المذكورة انسحبوا بقدرة قادر ممّا يفترض أن يكون حوارا يهدف لوضع النقاط على الحروف، ويحدد مكامن الخلل بهدف معالجتها وتسويتها، أو على الأقل إعلانها بشكل واضح لكي يتمكن منظرو الأطراف الثلاثة لاحقا من إيجاد القواسم المشتركة التي تسمح للجميع باحترام ما قد نتفق على تسميته بالاختلافات.

لقد تحوّل هؤلاء إلى مجرد منظّرين يسعون لكسب تأييد المشاهدين الحاضرين، فأخذ كل منهم يتحدث عن السمات الراقية لأديانهم، وكيف أنها تدعوهم للتسامح واحترام الرأي الآخر، لكن أيا منهم لم يتجرأ على توجيه النقد الذاتي لأن ذلك قد يضعه في موقع دقيق وحساس جدا.

المشكلة التي يعاني منها هؤلاء جميعا أنهم يرفضون الخوض في النقاط الخلافية ويصرون على البقاء في العموميات والشكليات، مع اعترافهم طبعا بأن الاختلافات هي كثيرة جدا بل قد تكون مطلوبة بهدف تحقيق التعايش بين الأديان الكثيرة. هذا الأمر يجعل من ظاهرة «مكانك راوح» شأنا ملازما لكل المنتديات الحوارية، ويجعلها مجرد أحداث اجتماعية يلتقي فيها المهتمّون للاستماع إلى وجهة النظر هذه أو تلك، لا أكثر ولا أقل.

باختصار شديد، مطلوب من كل هذه المنتديات أن تجيب عن الأسئلة الحساسة لكي يعرف المسلم لماذا تصر الكنيسة على محاصرة دينه في أكثر من مكان في أوروبا وتمنعه من ممارسة شعائره العادية وبناء مساجده.

لكن مقابل ذلك، فإن من حق الديانات الأخرى أن توجه نفس هذه الاستفسارات المحرجة إلى العالم الإسلامي أيضاً.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz