في ذروة الانهماك والانشغال اللبنانيين بتعثُّر تشكيل حكومة العهد الاولى، تمرّ الكثير من المواقف المحلية والعربية والدولية من دون ان تحظى بأي اهتمام محلي، علماً ان اهميتها تستلزم توقفاً مليّاً حيالها لما تتضمَّنه من مؤشرات وانعكاسات على الوضع اللبناني ككل.
من هذه المواقف التي صدرت الاسبوع الماضي، موقف للرئيس السوري بشار الأسد ادلى به خلال لقاء مع الاعلاميين في ختام زيارته للكويت.
في سياق اللقاء، سئل الرئيس الاسد عن التعاون مع لجنة التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فردَّ بأنه بعد عملية الاغتيال مباشرة (كان هناك تعاون بيننا وبين لجان التحقيق المختلفة)، لكنه استطرد قائلاً:
(هناك وجود مفهوم خاطئ في ما يتعلَّق بدور اجهزة الأمن السورية في لبنان، لأن البعض يعتقد ان اجهزة الأمن السورية كان من مهامها حماية الشخصيات اللبنانية، وهي لم تكن مسؤولة عن هذا الدور بل مسؤولة أولاً عن حماية القوات السورية في لبنان، وهناك أربعة اجهزة أمنية لبنانية هي المسؤولة عن أمن لبنان).
كيف مرَّ هذا الموقف من دون ان يتوقف أحدٌ عنده، لا في لجنة التحقيق الدولية ولا في الأكثرية ولا في الأقلية ولا المعنيون مباشرة سابقاً في تلك (الأجهزة الأربعة)؟
بالنسبة الى لجنة التحقيق الدولية فإنها اتبعت تقليداً يقضي بعدم الرد على التصريحات الإعلامية. في ما يتعلَّق بالأكثرية فإن موقفها معروف لجهة تحميل النظام الامني اللبناني - السوري مسؤولية الاغتيال.
اما الأقلية فإن موقفها ينطلق من وجوب استكمال التحقيق قبل توجيه أي تهمة. لكن ماذا عن المعنيين مباشرة بهذا الكلام، أي رؤساء الأجهزة الأربعة الموقوفون في هذه القضية؟ لقد جاء كلام الرئيس الأسد ليُحمِّلهم المسؤولية مباشرة عن (حماية الشخصيات اللبنانية)؟
المرجع الذي كان يُصدر بيانات شبه يومية عن كل شاردة وواردة تتعلق بقضية الاغتيال والمسؤولية والتوقيف، لوحظ انه التزم الصمت حيال كلام الرئيس السوري، وهذا الصمت له أكثر من تفسير ودلالة، فإن كان هذا الكلام صحيحاً فإنه ينسف كل البيانات الاعلامية التي كانت تصدر.
وإذا كان غير صحيح وغير دقيق فإن السكوت عنه وعدم الرد عليه يعني ان الموقوفين ينتظرون بدء المحكمة ليقولوا كلامهم امامها، وهذا يستدعي منهم عدم اصدار البيانات من الآن فصاعداً و(توفير) ما سيقولونه ليُدلوا به مفصَّلاً امام المحكمة.
مع ذلك فإن كلام الرئيس الأسد يستدعي من لجنة التحقيق الدولية اعادة والاستماع حول دور الامن للاجهزة الأربعة وحول مسؤوليتهم وحول عدم مسؤولية الأمن السوري.
الرئيس الاسد، في اللقاء ذاته، فتح نقاشاً حول مسألة اعتراف سوريا بلبنان والقضية المزمنة المتعلقة بالتبادل الديبلوماسي، في هذا الاطار قدَّم وجهة نظر تستحق فتح حوار انطلاقاً منها، فهو اشار الى الاتفاقات بين لبنان وسوريا، ومثل هذه الاتفاقات لا تتم إلا بين دولتين، عند هذه النقطة يُفتَرَض بالحكومة اللبنانية ان تبادر الى الرد وقد يكون هذا الرد مناسبة للقول ان فتح الحوار بين (دولتين) لا بد ان يبدأ، وعندها فلتُطرح كل النقاط العالقة على طاولة التحاور بين العاصمتين.
لقد رمى الرئيس الأسد الكرة في الملعب اللبناني، فهل مَن يتلقفها؟ ام ان الأمور ستبقى تحت عنوان الاشكالية التاريخية التي يُعقِّدها الحاضر؟
