للأطفال عالمهم الخاص، أحساسيسهم وعفويتهم وبراءتهم تلك التي لا يتعلمونها لكنهم يولدون بها. مهما علمتهم أو لقنتهم تبقى لهم قواعدهم وآراؤهم الخاصة التي يكسرون بها قوانين ودروساً تم تلقينهم إياها. لكن ما يهمنا كآباء نتطلع إلى أبناء يتفوقون علينا أن لا يخالف كسر تلك القواعد طموحاتنا وأمنياتنا. مناسبة حديثنا هذا؛ الزيارة التي قامت بها الطفلة سمو الشيخة فاطمة بنت منصور بن زايد آل نهيان، لمستشفى دبي، والتي التقت خلالها الأطفال المصابين بأمراض السرطان والكلى، في خطوة تدعم وتشجع هؤلاء الأطفال وتخفف عنهم آلامهم.
وهذا ما جسده هؤلاء الأطفال عندما استقبلوا الشيخة فاطمة مبتسمين، فرحين بزيارتها وبعفويتها عندما كسرت أجواء الروتين والمرض عليهم، فداعبت بعضهم ولعبت مع آخرين، وأهدت الجميع هدايا حملتها إليهم بحب ومودة رغم أنها كانت تنتظر تلقي هذه الهدايا وأكثر في يوم ميلادها الثاني. فأصبح يوم هؤلاء المرضى والذي لا يخلو من ألم ورتابة مختلفاً ولو لبضع ساعات.
على الرغم من بساطة الزيارة إلا أنها حملت رسائل يبقى من الجميل تذكرها. رسالة إلى الآباء والأمهات الذين يغرقون أبناءهم في ملذات الطفولة دون أن يفكر كثير منهم في نقل صورة مأساوية أخرى إليهم، خوفاً من أن ينتابهم الحزن مبكراً، مع أن الاطلاع على نماذج إنسانية تفتقد ما يملكه آخرون، درس إنساني عظيم يربي النفس ويهذبها ويجعلها شاكرة وممتنة بلا حدود.
الواقع الاجتماعي يضم مستويات اجتماعية متفاوتة، فلماذا نغيّب بعض هذه المستويات عن أبنائنا؟ أليس الواجب يفترض بالمسلمين أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟
أما الرسالة الثانية، فهي أهمية توثيق العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الحاكم والمحكوم من جهة، وبين كل المواطنين والمقيمين على أرض دولة الإمارات من جهة أخرى، فهذا النوع من التكافل يزيد الألفة والمودة في المجتمع، ويجعل الجميع قريبين من بعضهم البعض دون حواجز تجعل كلاً منهم وكأنه في جزيرة أو منفى عن الآخر.
هذه الثقافة هي التي كانت ومازالت في الإمارات بين الحكام والشعب، وهي التي كانت سبب توحيد هذه الدولة وتنميتها إلى الشكل الذي نراها عليه الآن. دولة لا يجعلنا الحاكم فيها نشعر بأنه أفضل منا، ولا نشعر بأننا أقل منه، وهذا ما لمسناه ونحن نتابع زيارة الشيخة فاطمة التي يبدو أن والديها بدآ غرس مبادئ المدرسة الإماراتية فيها، فكانت زيارتها الأولى لأطفال مرضى، وهو الأمر الذي يرفع سقف تطلعاتنا إلى أدوار تقوم بها هذه الطفلة عندما تكبر، لاسيما وهي حفيدة العظيمين الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه.
وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، وابنة البارين سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة وسمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم رئيسة مؤسسة دبي للمرأة. فإذا كان هذا هو درسها الأول الذي تلقته ونفذته ميدانياً، فلنبشر بدروس أعظم يسجلها التاريخ بعد أن نكون جميعاً قد غرسناها في أبنائنا. بوركت زيارتك يا فاطمة وكنت عوناً للوطن وقرة عين لوالديك.
