أضبط.. يقول مؤامرة !.. أتقول مؤامرة؟!.. أية مؤامرة؟!.. هل عدنا للحديث عن «نظرية المؤامرة» لننفي مسؤوليتنا ولنلقي بكل مشاكلنا على المؤامرات الخارجية ولنعلق كل قصورنا وتقصيرنا الذاتي في حق أنفسنا وعلى حساب أمننا القومي على ما تسمونه التآمر الصهيوني الأميركي والاستعمار الغربي الأوروبي للعالمين الإسلامي والعربي؟

وعلى الرغم من أنني لا أقرأ التاريخ باعتباره مجرد مؤامرة، بل كسجل راصد بوجهة نظر يفرضها الأقوياء المنتصرون الذين يكتبون التاريخ برؤيتهم الدعائية لا الموضوعية في الصراع الإنساني الدائم بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وبين المعتدى المهاجم والمعتدى عليه المقاوم، وبين الاستقلال والاحتلال، وبين التحرر والاستعمار، وبين العدالة الاقتصادية والاجتماعية والاستغلال الاقتصادي والظلم الاجتماعي، وأخيرا وليس آخرا بين الحرية الإنسانية والاستبداد، وبين الكرامة الإنسانية والاستعباد.

إلا أنني في النهاية لا أستطيع أن ألغي تجاهل ما تحويه فصول ذلك التاريخ من إنجازات إنسانية عظمى، وأيضا من مؤامرات استعمارية كبرى، وليس مجرد مؤامرة واحدة.

وأظن.. وليس كل الظن إثم.. أن ما جرى مثلا من احتلال كل الوطن العربي وخصوصا من اغتصاب كل فلسطين على مراحل بالإرهاب والحروب بالقوة والعدوان لا بالحق والعدل، ولا بالشرعية السماوية ولا الأرضية، ثم ما جرى من فتنة لأحداث الاقتتال بين فتح وحماس، وافتعال الانقسام بين الضفة وغزة فيما يسمى بأراضي السلطة الفلسطينية لضرب ما بقى من وحدة وطنية كقاعدة للمقاومة، ما هى إلا فصول لمجمل المؤامرة الصهيونية الأميركية الكبرى لتمرير ما بقى من تلك المؤامرة لتقرير مصير العرب في فلسطين بإعلان «إسرائيل الكبرى» قيادة لما يسمى بـ «الشرق الأوسط الكبير».

وما يجرى الآن أيضاً من المؤامرات الشريرة الطائفية والمذهبية والعرقية في العراق وفى لبنان وفى الصومال وفى السودان وفى اليمن وفى أكثر من بؤرة لنشر الحروب الأهلية في الشرق العربي الإسلامي بتخطيط أميركي وبإملاء صهيوني، ما هو إلا امتداد لمؤامرات استعمارية سبقتها تتكشف تباعا رغم محاولات المتآمرين وأتباع المتآمرين وأبواق المتآمرين من وكلاء خدماتهم في «الشرق الأوسط الكبير» إخفائها.

وذلك بالتصدى لكل من يكشف عنها بسلاح مستهلك لم يعد ذا أية جدوى بما يطلقون عليه تفسير التاريخ بـ «نظرية المؤامرة»، وبقنابل صوتية للإرهاب الفكري تكشف تبعية من يلقيها بأكثر مما تصيب من تلقى في وجهة بالصراخ.. «أتقول مؤامرة؟!».

ولست أنا الذي أقول، بل بعض أولئك الباحثين الأميركيين الذين يقرأون وقائع التاريخ كما يرونها على حقيقتها. ويبقى التقرير الذي نشرته «مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو» الأميركية أقوى برهان في هذا.

حيث كشف أن هناك لعبة دموية لزرع الحروب الأهلية في المنطقة العربية تمهيدا لسايكس بيكو جديدة تقودها دوائر أميركية صهيونية يعتبر نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الأداة الأكبر فيها، قائلة في ختام التقرير: «يتضح في حقيقة الأمر، أن الصراع الداخلي الذي نراه الآن خصوصا في فلسطين والعراق ولبنان يتم تحريكه من خارج المنطقة، تاركا اللاعبين المحليين يؤدون أدوارهم التراجيدية.

إن دور أبرامز وتشيني أكثر سطوعا من الشمس في ظهور الحروب الأهلية بالشرق الأوسط كصيغة جديدة لاتفاقية سايكس بيكو لعام 1916، التي قامت بريطانيا وفرنسا من خلالها بتقسيم غنائمهما الجيوسياسية في الشرق.

mamdoh77t@hotmail.com