وما زال السؤال مطروحاً في ظل السباق المحموم على استيراد العمالة وما يُسمَّى بالخبرات من خارج الوطن: أين تذهب أفواج الخريجين والخريجات من أبناء وبنات الإمارات الذين تدفع بهم كل عام مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة، وهل لا توجد بينهم فئة متميزة تستحق أن تأخذ المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص بأيديها وتتولاها بالعناية والرعاية كي تصقل مواهبها لتضعها في المكان المناسب الذي تستطيع من خلاله أن تخدم وطنها وترد له شيئا من الجميل الذي طوق به عنقها؟

واقع الحال يقول إن هذه الفئة موجودة فعلا، وإنها القاعدة وليست الاستثناء في ظل وجود مؤسسات تعليمية عليا تتمتع بمستوى من الكفاءة لا يقل عن نظيراتها في الخارج، ولدينا أكثر من دليل لمن يشكك في هذا أو يعتقد أننا نلقي الكلام على عواهنه للدفاع عن قضية نحن غير واثقين من عدالتها أو إثبات نظرية نحن غير متأكدين من صحتها.

قبل أسبوعين تقريبا شهد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الملتقى الأكاديمي لطالبات جامعة زايد الذي أقيم بمقرها في دبي تحت عنوان «إنجازات متميزة لطالباتنا» حيث قدمت الطالبات من كليات الجامعة الخمس عروضهن العلمية والتطبيقية لمشاريع التخرج للعام الأكاديمي 2008.

هذا الملتقى الذي دار حول محور الامتياز المتحقق في عمل الطالبات جسد ـ كما قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي ـ فلسفة التعليم في جامعة زايد التي تركز على توفير كافة فرص النجاح أمام الطالبات من دون التركيز على تنمية الجانب الأكاديمي لدى كل طالبة، وأيضا التركيز على تنمية مهارات التفكير السليم والتعليم المستمر والمستقل، إلى جانب تنمية الوعي الذكي بكافة أبعاد العالم الذي نعيش فيه.

وضمن هذا الإطار أيضاً قامت طالبات قسم التصميم الداخلي بكلية الفنون والعلوم في جامعة زايد بأبوظبي الأسبوع الماضي باستعراض مشاريع تخرجهن للعام الأكاديمي 2008 حيث عُرضت مجموعة من التصاميم الهندسية والأفكار الخلاقة التي تنم عن موهبة هؤلاء الطالبات وتميزهن، هذه الموهبة التي تسترعي الانتباه وتستحق أن تجد من يتبناها كي نرى هذه الأفكار والمشاريع منفذة على أرض الواقع لأنها نابعة من نبت هذه الأرض، تستمد موضوعاتها من حاجة المجتمع، وتستوحي تصاميمها من بيئات مختلفة لتمزج بين الأصالة والمعاصرة كي تقطع الطريق على أولئك الذين يجرون وراء الحداثة والعالمية متهمين تراثنا وبيئتنا بالجمود والتخلف.

المثالان اللذان طرحناهما ليسا أكثر من نموذج لحالات مشابهة كثيرة تزخر بها جامعاتنا الحكومية والخاصة، هذه الجامعات التي تدفع كل عام بآلاف الخريجين والخريجات من أبناء وبنات الوطن الذين نالوا تعليما حديثا لا يقل عما تقدمه الجامعات الأخرى التي نبعث إليها بعض طلابنا وطالباتنا في الخارج لينضموا بعد تخرجهم إلى إخوانهم وأخواتهم خريجي جامعات الداخل، مشكلين قوة عمل لا نرى لها وجودا ملموسا على أرض الواقع لعدم إتاحة الفرصة الكافية لها في سوق العمل الذي يفضل العمالة الوافدة على المواطنة، حتى لو كان الخريج المواطن أكثر كفاءة وموهبة وإبداعا!

ربما يعترض البعض على هذا الطرح طالبا الدليل، والدليل ببساطة هو هذا العدد الذي يزداد عاما بعد عام من الخريجين المواطنين الذين يتوافدون على معارض التوظيف متعلقين بأهداب أمل واهية، ويطرقون أبواب المؤسسات الحكومية والخاصة باحثين عن فرصة عمل مناسبة يستحقونها في وطنهم الذي تتضاعف فيه كل عام أعداد التأشيرات وتصاريح العمل، بينما تفضل فيه هذه المؤسسات العمالة الوافدة على المواطنة بدعوى أنها لا تتمتع بالكفاءة والخبرة الكافية. وواقع الحال أننا لو وضعنا العمالة الوافدة التي تستقدمها هذه المؤسسات على المحك لوجدناها أقل كفاءة من العمالة المواطنة، بل إن بعضها يأتي للتدرب واكتساب الخبرة في بلدنا، بينما نعيش نحن وَهْمَ كفاءةِ وخبرةِ بائعي الكلام الذين نكتشف تواضع مستواهم بعد تجريبهم، ومع ذلك يبقى بعضنا مخدوعا حتى بعد انكشاف أمرهم!

وإذا كان المثال الذي ضربناه على كفاءة وتميز الخريجين والخريجات من أبناء وبنات الوطن يغطي جانبا واحدا من الصورة، فإن الجانب الآخر منها يتمثل في تنامي أعداد حمَلَة الشهادات العليا (الماجستير والدكتوراه) من أبناء وبنات الوطن الذين نعتقد أن مساحة التشكيك في كفاءتهم أضيق لأنهم حصلوا على هذه الدرجات العلمية من أعرق الجامعات العربية والأجنبية التي لا نعتقد أن هناك مجالا للتشكيك في مستواها. وقد شاهدنا في احتفال «ندوة الثقافة والعلوم» بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيسها أفواج حملة الشهادات العليا الذين تم تكريمهم من خلال «جائزة راشد للتفوق العلمي» التي تنظمها الندوة منذ عام 1988 والذين قارب مجموعهم 6000 مكرَّم ومكرَّمة، فهل تمت الاستفادة الكاملة وبالشكل الصحيح والمطلوب من هؤلاء في وطن ما زالت معدلات استقدام العمالة فيه ترتفع عاما بعد عام؟

في كل دول العالم المتقدم تقوم المؤسسات بالبحث عن المتميزين في الجامعات وتسعى إلى التعاقد معهم قبل تخرجهم، بل وتتبناهم وهم على مقاعد الدراسة لتشجيعهم واستقطابهم، فهل قامت أي من مؤسساتنا التي تسعى إلى حصد جوائز الأداء المتميز والحصول على شهادات الجودة بخطوة من هذا النوع؟

نتمنى أن يجيبنا أحد عن هذه الأسئلة التي طالت حيرتنا ونحن نبحث عن إجابات شافية لها، شريطة ألا يتصدى للإجابة واحد من خبراء الموارد البشرية الذين يشعروننا بالغربة في وطننا، وينتزعون الفرحة من قلوب وعيون أبنائنا وبناتنا المقبلين على الحياة في وطن يبذل الكثير من المال والجهد لتعليمهم وإعدادهم، ثم يتركهم كالأيتام على موائد اللئام، في سوق عمل لا يحفل بهم، ولا يقدِّر ما صُرِف على تعليمهم، ولا يعترف بموهبتهم وحبهم وإخلاصهم لوطنهم.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com