يقال إن الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون سأل وزير خارجيته الأشهر هنري كيسنجر بعد محادثاته مع رئيس عربي منتصف السبعينات من القرن الماضي بالقول: »ماذا طلب؟« يعني الرئيس العربي، فأجاب كسينجر: »لا شيء سيدي«. أجابه نيكسون من فوره »إذا أعطه لا شيء«.
أتذكر هذه العبارة دوما كلما اقتربت الانتخابات الأميركية وكلما صعدت بورصة التوقعات لدى العرب حيال المرشحين. تتصاعد هذه التوقعات بشكل لافت بفضل ما تغذيه ماكينة الإعلام الأميركي تحديدا وهي تتابع كل كلمة يتفوه بها المرشحون وتحصي عليهم أنفاسهم وسكناتهم وهمساتهم.
وقبل شهور خلت فيما كانت المنافسة تشتد بين باراك اوباما وهيلاري كلينتون للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، قرأت نموذجا من تلك التحليلات التي تتسم بقدر غير قليل من السذاجة الأميركية التي تتغذى من تنميط أميركي نموذجي عندما راح كاتب أميركي يقول إن وجود »حسين« في اسم باراك قد يجعله يكسب قلوب العرب والمسلمين عاطفيا على الأقل.
وعلى المنوال نفسه، يوالي كتاب وصحافيون عرب الدخول في بورصة الانتخابات الأميركية في ما يبدو انه محاولة لاستكشاف أكثر المرشحين قربا من العرب أو يملك بعض التعاطف مع المطالب العربية. ولأن الأمر أصبح مثل التقليد الثابت مع كل انتخابات أميركية، فان هذه التوقعات هي إعادة إنتاج لأعراض مرض عربي متأصل اسمه »لننتظر المعجزة«.
الفارق كبير بين أن يصل إلى البيت الأبيض رئيس أو فريق رئاسة متعاطف مع المواقف العربية حيال الصراع مع إسرائيل وبين أن ما يفعله العرب أنفسهم لتحويل هذا التعاطف إلى نتائج ملموسة على الأرض. هنا يتعين على المسؤولين العرب وشرائح واسعة من الكتاب والمثقفين أن يتذكروا ذلك الحوار بين نيكسون ووزير خارجيته كسينجر.
الخلاصة أنهم لن يحصلوا على شيء إلا إذا طالبوا به، ولن يحصلوا على ما يطالبون به لمجرد الإلحاح على الطلب بل بعمل إضافي حقيقي لا يقتصر مجاله على الحركة السياسية أو الدبلوماسية بل ربما أبعد بكثير.
ليس هناك من نموذج يمكن الاستشهاد به سوى تلك المرحلة الفاصلة بين حرب يونيو 1967 والنموذج الذي مثلته قيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
فبعد حرب العام 1967، برهن المصريون والسوريون على الأهمية الحاسمة لعنصر أساسي في السياسة هو فرض الإرادة.
لقد كانت التحديات كبيرة، وعندما قرر المصريون مثلا خوض الحرب، عملوا على الارتقاء إلى مستوى التحدي الذي يمثله قرار على هذا المستوى. لم يعيدوا تنظيم الجيش فقط ولم يتدرب هذا الجيش طيلة السنوات التي سبقت حرب أكتوبر 1973، بل أنهم نشطوا في ميدان مهم للتحضير للحرب هو حرب الاستخبارات.
ومن المعروف أنهم لم يقرروا أخيرا شن الحرب إلا بعد أن تأكدوا من أن إسرائيل وقتذاك لم تكن قد صنعت أسلحة نووية. هذه المعلومات لم تأتهم من حليف دولي بل توصلوا لها بأنفسهم في جهد استخباراتي مازالت الدراما المصرية تجد فيه معينا لا ينضب لأعمال سينمائية وتلفزيونية لا حصر لها.
أما عرفات، فمازال العرب لا يدركون سر الكراهية الشديدة التي يكنها الإسرائيليون والأميركيون له. أن له سمعة المفرط لدى العرب والفلسطينيين ولطالما تعرض للهجاء المرير إزاء مرونته السياسية التي لا حد لها، لكنه في الوقت نفسه كان يعرف متى يضغط وكيف يضغط على أعدائه بكل الوسائل وفي الغالب بأبسط الوسائل.
في الفترة الفاصلة بين خروج المقاومة من لبنان عام 1982 وحتى اندلاع الانتفاضة الأولى في ديسمبر 1987، شهدت الأرض المحتلة عمليات فدائية بسيطة جدا: كان المقاومون الفلسطينيون يهاجمون الجنود الإسرائيليين بالأسلحة البيضاء.
وعدا التظاهرات التي لم تتوقف في القرى والبلدات الفلسطينية التي امتدت إلى أراضي 1948 فان الأفق السياسي لحركة الشعب الفلسطيني كانت محددة وواضحة: منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وما أن تفجرت الانتفاضة حتى وجد العالم إسرائيل محشورة في الزاوية وعارية أمام العالم كله: دولة محتلة.
كانت أسوأ أيام إسرائيل وفي غمرتها ينسى كثيرون أن وزير الدفاع الإسرائيلي وقتذاك اسحق رابين كان يزور المعتقلات ويسأل قادة الانتفاضة: ماذا تريدون؟
أن في خلفيات باراك اوباما وتجربته السياسية وبرنامجه ما يجعله متعاطفا نموذجيا مع القضايا العربية، لكن هذا ليس كافيا حتى لو وصل إلى البيت الأبيض. وعلى العرب أن يتخلوا أيضا عن وهم آخر هو أن إسرائيل تحصل طواعية على كل ما تريده من الولايات المتحدة. ففي تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل كل الشواهد التي تؤكد أن الإسرائيليين يحصلون من الأميركيين على ما يخططون للحصول عليه وأحيانا بلي ذراع الأميركيين والضغط عليهم بل وحتى العمل من وراء ظهورهم.
ليس الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد أول الأمثلة ولا آخرها، الإسرائيليون يحصلون من الأميركيين على ما يريدون لأنهم يخططون لما يريدون الحصول عليه ويعملون على تنفيذه بكل الوسائل بما فيها الوسائل القذرة. أما العرب فإنهم يأملون فقط ويتمنون والفارق كبير جدا، أما إذا كان نموذج السياسات الإسرائيلية لا يمثل نموذجا مغريا للعرب.
فهناك الكثير من الوسائل الأقل قذارة لكنها تفي بالغرض، ففي النهاية لن توافق أي إدارة أميركية أيا كان رئيسها على الإقدام على أي خطوة ايجابية حيال العرب ما لم ينتزعوه انتزاعا ليس بالحرب بالضرورة بل بالسياسة.
كاتب وصحافي بحريني
