من المشاوير «البغيضة» لدى البعض ويقدم عليها «كارهاً» هي التردد على دوائر ومؤسسات الحكومة الخدمية، حيث الزحام الشديد والتأخير والتأجيل والروتين الذي يسلب من الشخص وقته وجهده وأعصابه حتى يتمكن من إنهاء المعاملة مع دعوات بألا يضطر مجدداً إلى تكرار تلك الزيارة.

إدارات الجنسية والإقامة كانت واحدة من تلك المؤسسات التي كان تخليص أبسط معاملة فيها يستهلك يوما كاملا، وقد يتم له ذلك أو لا يكون. لم يعد العمل فيها كما كان في الماضي.

فمباني إدارات الجنسية والإقامة على مستوى الدولة شهدت توسعات كبيرة بقاعات فسيحة عصرية يجد المراجعون فيها أماكن ومقاعد ينتظرون فيها تخليص المعاملة التي لا تستغرق - إن كانت مكتملة - سوى دقائق معدودة، يتلقى بعدها رسالة نصية قصيرة تبلغه بإتمام المعاملة، بل أكثر من ذلك فإنه في حال دخول عامل أو خادم على كفالته البلاد، فإنه يحاط علما بذلك عبر رسالة قصيرة يتلقاها على هاتفه.

بل أكثر من ذلك فإن ساعات دوام عمل موظفي إدارات الجنسية والإقامة التي تمتد حتى الثامنة مساء لا شك أنها أحدثت تغييرا كبيرا في بنية العمل نفسه الذي أصبح مقسما على ساعات أطول من مدة الدوام الرسمي، الذي كان ينتهي فعليا قبل الثانية والنصف بحجة تراكم أعمال داخلية وإغلاق الصندوق قبل نهاية الدوام، وأمور كثيرة كانت كفيلة لأن تجعل من مثل هذه المشاوير جحيما لا يطاق.

هذه الصورة لم تعد قائمة في هذه الإدارات التي تغير نمط العمل فيها، وتغير معه كذلك مفهوم العمل الحكومي الذي ينظر إليه في كل الدول العربية على أنه رديف لكل أنواع التخلف الإداري والوجه الآخر لمفهوم البيروقراطية المقيتة والروتين الذي ينال من كل محاولات الإصلاح التي يبذلها أي مسؤول جديد يأتيها بحماس لا يلبث أن يجد نفسه قد غرق في رمال ما جرت عليه العادة والعرف السائد.

المفهوم الجديد للتطور يجب أن ينسف إدارات ودوائر كثيرة لا تزال تعمل بعقلية القرن الماضي، ولكن ما يحدث غير ذلك تغيرت أشكال مكاتب الموظفين المزدانة بأحدث تقنيات العصر ونظم المعلومات، فالنظام المسيطر لدى البعض الآن هو «سيستم» سير وتعال، وخذ وهات والصورة والأصل وورقة ناقصة وأخرى زائدة والنتيجة بقاء معاملة صغيرة في أدراج الموظفين أسبوعاً وأكثر.

الملاحظ أن دوائر حيوية مهمة زادت تعاملاتها وأعداد مراجعيها وزادت كذلك مواردها المالية بفعل زيادة المعاملات لكنها لا تزال حتى اليوم تعمل بنظامها القديم حين لم يكن عدد المتعاملين معها بهذا الحجم، تمضي ساعات العمل والمعاملات لم تنجز، يتقدم المبدعون ولا يزال هؤلاء واقفين في أماكنهم راضين بما يقدمون قانعين أن ما يفعلونه يعتبر انجازا.

fadheela@albayan.ae