العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران هي علاقة محورية ومهمة لأمن منطقة الشرق الأوسط بالأخص، لكن هذه العلاقة تشهد ومنذ فترة ليست بقصيرة من الزمن حالة من العداء يحمل في ثناياه فرص مواجهة محتملة بين الطرفين قد تؤدي إلى إلحاق الضرر الكبير ليس فقط بمنطقة الخليج العربي بل أيضاً بمنطقة الشرق الأوسط بأسرها، فيا ترى ما سبب هذا العداء المشحون القائم بين البلدين؟

من أول وهلة يذهب المحللون السياسيون والمتابعون لشأن المنطقة إلى مسألة الملف النووي الإيراني ويعتبرونها على أنها هي المسألة الأساسية التي أدت إلى زج العلاقات بين البلدين إلى حالة العداء، لكن الحقيقة هي أن مسألة الملف النووي لم تكن هي العامل الأساسي في خلق العداء بين الولايات المتحدة وإيران وإنما هي عامل مكمل جاء متأخراً وأصبح له الأثر في إزكاء حالة العداء القائمة بين البلدين من خلال إثارة مزيد من التوتر في علاقة الطرفين بعضهما ببعض.

لكن العامل الأساسي في بروز واستمرار العداء بين الطرفين يعود في الأساس إلى الخلفية التاريخية التي قامت عليها العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران والمتمثلة في قيام الاستخبارات المركزية الأميركية بتدبير انقلاب عام 1953 ضد رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق الذي وصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية.

كانت المشاركة الأميركية في هذا الانقلاب هي بداية التوغل الأميركي في الشأن الإيراني وبداية مرحلة خلق العداء للولايات المتحدة لدى الإيرانيين. كان الدكتور مصدق محبوب محبوبا لدى الإيرانيين لوطنيته والتي تمثلت في إصراره على تأميم النفط الإيراني الذي كانت تسيطر عليه في الأساس بريطانيا عن طريق شركة النفط الإنجليزية ـ الإيرانية المملوكة لبريطانيا.

ولم تكن الولايات المتحدة مكروهة بين فئات الشعب الإيراني قبل الانقلاب بل بالعكس كانت الحكومة الإيرانية والشعب الإيراني يأملون في وقوف الحكومة الأميركية إلى جانبهم ضد محاولات بريطانيا ردع إيران عن قرارها بتأميم النفط الإيراني، فقد كان الإيرانيون يرون في كفاح الشعب الأميركي المستمر في الحصول على حريته دافعاً رئيسياً سيجعل من الحكومة الأميركية تقف إلى جانب كفاح الشعب الإيراني لنيل حريته.

لكن هذه الآمال تبخرت في الهواء. ففي يوم التاسع عشر من أغسطس عام 1953 نجحت الاستخبارات الأميركية مع الاستخبارات البريطانية بتنفيذ خطتها للإطاحة بنظام حكم رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق، وكان ذلك التاريخ بداية لتغير وجهة إيران، حيث بدأ النفوذ الأميركي في إيران وبدأت إيران في مرحلة جديدة كانت الدافع الأساسي نحو مجيء الإسلاميين إلى الحكم فيما بعد في أواخر السبعينات.

عندما جاء الإسلاميون إلى الحكم في إيران كان شعار عداءهم لأميركا يعود في الأساس إلى الدور الذي لعبه الأميركيون في القضاء على حكم الدكتور محمد مصدق الذي يكن له كل الإيرانيين بمن فيهم الإسلاميون كل التقدير والاحترام لوطنيته، ولدورهم في تعزيز حكم الشاه الذي كان ينظر إليه غالبية الشعب الإيراني بالنظرة السلبية نظراً لتفشي حالات الفقر والفساد طيلة فترة حكمه لإيران.

لقد كان الدكتور محمد مصدق رمز الوطنية بالنسبة للإسلاميين، الأمر الذي جعلهم يحتفلون بيوم تأميمه للنفط الإيراني بجعله يوم عطلة وهو أقرب إلى يوم الاحتفال بعيد الاستقلال، ورغم محاولات بعض المحافظين في عام 1999 من أجل إلغاء الاحتفال بهذا اليوم إلا أنها قوبلت بالرفض من قبل شرائح المجتمع المختلفة وظل يوم تأميم النفط يوم احتفال في إيران إلى يومنا هذا.

وإلى اليوم تعتبر وسائل الإعلام الإيرانية على مختلف مشاربها يوم الانقلاب على الدكتور مصدق بأنه يوم الخيانة ويضعه الإيرانيون في ذات مرتبة الإذلال التي تعرضت له إيران من جراء معاهدة تركمانجي لعام 1828 والتي فقدت فيها إيران الكثير من أراضيها وتراجعت قوتها لصالح روسيا. صحيح أن إيران إسلامية التوجه إلا أنها قومية النزعة والمزاج ولا يمكن لأحد أن يغير من هذه الحقيقة ولا حتى الإسلاميون أنفسهم.

ولا نبالغ إذا ما قلنا ان الإيرانيين اليوم يرمون أسباب مشاكلهم خلف الدعم الأميركي لانقلاب 1953 باعتباره هو الذي خلق هذه المشاكل لهم. فما من حادثة تسيطر على فكر الإيرانيين وتوجهاته لاسيما في العلاقات الخارجية قدر ما هو انقلاب عام 1953 والدعم الذي قدمته الولايات المتحدة من أجل الإطاحة بحكم رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق.

وقد تجلى هذا الأمر في التوجه الذي اتخذته حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ مجيئها وهو التوجه المتمثل في العداء للولايات المتحدة والذي أثمر عن مواجهة مباشرة تمثلت في سيطرة الثوار على السفارة الأميركية في طهران ـ في ذات اليوم الذي كان فيه الأميركان يحتفلون بعيد الحب ـ واحتجازهم لرهائن أميركان لمدة 444 يوما، ومن ثم مواجهة أخرى غير مباشرة أثناء حرب إيران مع العراق.

وما نراه اليوم من أحداث في علاقة إيران بالولايات المتحدة كما هو حاصل في العراق وحول البرنامج النووي الإيراني وحول التوغل الإيراني في لبنان وفلسطين ليس إلا إرهاصات مكملة لحالة العداء القائمة بين البلدين والتي كانت شرارة انطلاقها تعود إلى انقلاب عام 1953؛ ولعل المسؤولين الأميركيين يدركون هذه النقطة.

حيث ان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت قد ذكرت في عام 2000 بأنها تعتبر أن التدخل الأميركي ودور الولايات المتحدة في انقلاب عام 1953 بأنه كان خطوة خاطئة ما كانت يجب أن تحدث لأنها أدخلت الولايات المتحدة في دوامة العداء الإيراني.

هذا الأمر يعطينا انطباعاً بأن مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وفرص تغيير سياسة العداء الإيراني للولايات المتحدة تتطلب من الإيرانيين تجاوز حادثة قد جرت قبل نحو خمسة وخمسين عاماً شاركت الولايات المتحدة في صياغتها وأثرت بالتالي على مستقبل إيران منذ ذلك اليوم.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com