ربما هي الصدفة التي جعلت السباق بين أوباما وهيلاري كلينتون يحسم في هذه التوقيت لمصلحة أوباما ليتجه الرجل على الفور إلى مؤتمر التجمع اليهودي الصهيوني «إيباك» ويعلن من هناك موقفه الداعم لإسرائيل، ويدخل في «المزاد» ويتجاوز حتى مواقف الإدارة الأمريكية الحالية بكل انحيازها غير المسبوق لإسرائيل.

وربما هي «الصدفة» التي جعلت خطاب أوباما يأتي في الخامس من يونيو، وإسرائيل «تحتفل» بمرور 41 عاماً على احتلالها للقدس العربية إثر هزيمة 67، لينتهز أوباما الفرصة ليسجل نقطة هامة في إبداء الولاء للوبي الصهيوني المهم في الانتخابات القادمة.

وبعيدا عن الاندهاش الساذج لدى البعض منا من هذه التصريحات، فإن علينا أن نضع التصريحات في سياقها الصحيح وألا نكتفي - كالعادة - ببيانات ترفض ومقالات تندد دون أن تكون أمامنا السيناريوهات المختلفة للموقف في المرحلة القادمة سواء جاء أوباما أم ماكين لحكم أمريكا، وسواء انتصرت إرادة التغيير التي يجسدها المرشح الديمقراطي، أو حسم تيار الاستمرار الذي يمثله ماكين الموقف لصالحه.

ولنتذكر هنا كيف أقام بعض العرب حفلات التهنئة بنجاح الرئيس الأمريكي الحالي انتقاماً من منافسة «آل جور» الذي كان لا يخفي مؤازرته لإسرائيل، ثم كان ما كان ليصبح بوش الابن هو أكثر رؤساء أمريكا انحيازا لإسرائيل .. حتى الآن بالطبع !!

لقد تعودنا - في السياسة العربية - أن نجري وراء الأوهام وأن ننسى أو نتناسى أن العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية هي قضية فوق الصراع الحزبي في أمريكا، وأن السياسة الأمريكية تقوم منذ عقود على أن إسرائيل هي ضمان أساسي للمصالح الأمريكية في المنطقة، وأن النفوذ اليهودي قد نجح في وأد أي دعوة لمراجعة هذه المواقف.

كان من السذاجة أن ننتظر من أوباما موقفا معتدلا من قضايانا، وأن يكون اقل انحيازا لإسرائيل، بل لعل العكس هو الصحيح.. في ظل محاولات ابتزاز ستزداد وطأتها مع تقدم الحملة الانتخابية تحاول استغلال أصوله الإسلامية لتتهمه في وطنيته وتشكك في إخلاصه لأمريكا (!!) خاصة إذا كان منافسة يعتمد على صورته كمقاتل ضحى وحارب من أجل الولايات المتحدة وتقوم سياسته على المزيد من استخدام القوة في العراق وغير العراق.

ومع ذلك تبقى لتصريحات أوباما دلالاتها التي تتجاوز الموقف التقليدي في تأييد إسرائيل، والتي تأتي في ظل هجمة إسرائيلية شرسة تحاول استباق الزمن واستغلال الفرصة التي قد لا تتكرر لحسم مصير القدس، وفرض أمر واقع جديد على العرب والمسلمين، وهكذا تتسارع مخططات الاستيطان في القدس.

وتتضاعف الجهود لاستكمال تهويدها، ويستكمل الكنيست الإسرائيلي جهودا متصلة على مدى أربعين سنة بإقرار قانون اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل والشعب اليهودي بعد أن كان قد اصدر قانونا في عام 1994 يقرر فيه أن القدس ستبقى موحدة إلى الأبد تحت سيادة إسرائيل!!

ولا أظن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت الذي تحاصره اتهامات الفساد، والذي يدرك أن أيامه في الحكم لن تطول، يسعى من وراء زيارته لأمريكا في هذه الظروف إلى دعم مادي جديد لإسرائيل، أو إلى صفقة أسلحة متطورة فقط.

بل أظن أنه يسعي إلى قرار من الإدارة الأمريكية يحسم قضية القدس ويظل قرار الكونجرس بالاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.. فهذا هو الإنجاز الذي يمكن أن يدخل به تاريخ إسرائيل، ويسقط كل حديث عن فساد يعرف أن معظم السياسيين الإسرائيليين يشاركونه فيه.

لكن الإدارة الأمريكية الغارقة في مستنقع العراق تعرف عواقب مثل هذا القرار، وتعرف أن مئات الملايين في العالمين العربي والإسلامي لن تسكت على ذلك. ومع ذلك فأولمرت يراهن على انه إذا احتدمت المعركة الانتخابية، وأصبح الصوت اليهودي حاسما للمرشح الجمهوري، فإن بوش قد يساعده ولو بنصف خطوة على طريق استكمال اغتصاب القدس !!

على الجانب الآخر كم كان بائسا منظر أبومازن وهويحتضن أولمرت مستأنفا المحادثات معه بالتزامن مع قرار الحكومة الإسرائيلية ببناء 1000 منزل في القدس العربية. ورغم هذا الموقف البائس، فدعونا نمسك بدعوة أبومازن الأخيرة لفتح الباب لحوار وطني ينهي الأوضاع الكارثية التي قاد إليها الانقسام الفلسطيني.

فهل أدرك - متأخرا - ما كان الكل يعرفه من البداية وهوأن المطلوب منه أن يوافق على تصفية القضية الفلسطينية لا اكثر ولا اقل ؟ ثم أين التصريحات المتفائلة التي طاردتنا على مدى الشهور الماضية ؟ أم أنه يضغط بالتلويح بالمصالحة الوطنية (المرفوضة أمريكيا وإسرائيليا) للحصول على شيء في مفاوضات مازال مستمرا فيها ؟!

الأسئلة مطروحة ولكن الأمل كبير أن تكون دعوة أبومازن للمصالحة دعوة حقيقية على كل الأطراف أن تتعامل معها بجدية ومسؤولية ، انطلاقا من حقيقة أساسية تناستها أطراف الصراع، ولابد من العودة إليها وهي أن المهمة التي لا ينبغي أن يتوقف النضال من اجلها هي تحرير الأرض واستعادة القدس، وليس الصراع على سلطة وهمية يراد منها أن تكون شريكا في تصفية القضية وقبول الأمر الواقع.

كاتب صحفي مصري

elsadattt@hotmail.com