لا تنطلق التهديدات الاسرائيلية المتصاعدة بشن عملية عسكرية ''ضخمة'' في قطاع من فراغ وهي بالتأكيد لا يمكن فصلها عن الدعوة التي وجهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لبدء حوار وطني فلسطيني ينهي حال الانقسام والشرذمة التي فرضت نفسها قبل عام من الان عندما سيطرت حركة حماس على قطاع غزة بعملية عسكرية بات من الواضح للجميع انها لم تخدم قضية الشعب الفلسطيني ولم تسهم في رفع الحصار عنه بل هي اعطت لاسرائيل المبررات لاستمرار هذا الحصار الظالم وفرض العقوبات الجماعية التي تتنافى والقانون الدولي وشرعة حقوق الانسان واتفاقية جنيف الرابعة..

تلويح ايهود اولمرت باجتياح قطاع غزة وخصوصاً بعد عودته من الولايات المتحدة لا يمكن فهمه إلاّ محاولة لابعاد الأنظار عن الازمة السياسية والحزبية التي تعصف بائتلافه الحكومي واقتراب توجيه لائحة اتهام ضده قد تضع حداً لمستقبله السياسي وربما تفضي الى اختفاء الحزب الذي يرأسه من المشهد الحزبي الاسرائيلي الذي يعيش وضعاً من الاهتزاز والارتباك لم يكن على هذه الدرجة من السوء والفساد في أي وقت مضى..

واذا ما وضعنا تهديدات اولمرت مع تهديدات وزير دفاعه ايهود باراك ورئيس اركان جيشه غابي اشكنازي باجتياح قطاع غزة فإننا نكون أمام جدول اعمال مفلس لحكومة اكثر افلاساً لم يستطع قادتها طوال ستة عقود من قيام دولتهم على ارض الشعب الفلسطيني واربعة عقود على عدوان الخامس من حزيران، استخلاص الدروس والعبر من عجز القوة مهما بلغ جبروتها وأياً كان حجم ترسانتها العسكرية ان تحقق أي انجازات سياسية او تنجح في اجبار الشعوب المقهورة والمحتلة والمقموعة بالتخلي عن حقوقها الوطنية ورفع الرايات البيضاء للمحتلين والمغتصبين والغزاة..

لن ينظر احد في المنطقة وفي العالم الى اجتياح قطاع غزة سوى محاولة لاجهاض دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لحوار فلسطيني وطني شامل يضع حداً للانقسام وازدواجية السلطة التي يجب ان تكون في يد ولصالح الشرعية الفلسطينية المنتخبة الممثلة بالرئيس عباس وباقي الأطر والمؤسسات الاخرى، ولن ينظر احد الى ارتكاب جريمة حرب ضد اهل القطاع العزّل والمحرومين والفقراء إلاّ محاولة من قبل الثنائي اولمرت وباراك لاطالة عمر الائتلاف المتصدع الذي يجمعهما، خشية الذهاب الى انتخابات برلمانية مبكرة يعلمان انها لن تكون في صالحهما، الأمر الذي قد يوفره لهما سفك المزيد من دماء الفلسطينيين الابرياء ما يعتقدان انه قد يسهم في جلب آلاف الاصوات التي قد ترفع من رصيدهما المتآكل لدى الجمهور..

انه قصر النظر السياسي ذاته الذي يعاني منه اولمرت منذ ان وصل الى الحكم قبل عامين ونصف عندما افرغ المفاوضات مع الرئيس الفلسطيني من مضمونها ورأى فيها مجرد عملية لشراء المزيد من الوقت بهدف تكريس سياسة الأمر الواقع وبناء المزيد من المستوطنات وتهويد القدس وطرح عطاءات اقامة أحياء استيطانية كاملة في ضواحي القدس وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة ثم الادعاء أخيراً بأن القدس ستبقى الى الأبد موحدة وعاصمة لاسرائيل.

يقع اولمرت في الخطيئة التي وقع فيها اسلافه باصرارهم على عدم استخلاص العبر والدروس من التاريخ حديثه وقديمه الذي يقول لمن يريد ان يعتبر ان معايير القوة لا تبقى على حالها وأن قيم العدالة وحقوق الانسان تتقدم على منطق القوة والاحتلال والعنصرية وان المستقبل هو لحرية الشعوب واستقلالها والهزيمة والعار للاحتلال.