بينما كانت الدكتورة موضي الحمود تؤدي القسم في الجلسة الأولى لمجلس الأمة الكويتي الذي انتخب للتو، انسحب تسعة أعضاء يمثلون في معظمهم نواباً مستقلين من الاتجاه الإسلامي، محتجين على التشكيلة الوزارية برئاسة الشيخ ناصر المحمد الصباح التي تدخل من ضمنها وزيرتان، إحداهما كانت وزيرة سابقة في الحكومة الماضية وهي نورية الصبيح والأخرى تتقلد المنصب الوزاري للمرة الأولى.
والدكتورة موضي الحمود التي تسلمت وزارة الإسكان كانت قبل إذ أستاذة جامعية شغلت عميدة لكلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت ثم مديرة للجامعة العربية المفتوحة، وهي فوق هذا وذاك ناشطة في التحالف الوطني الديمقراطي. ولم يستبشر الكويتيون من منظر تسعة من نوابهم وهم ينسحبون من أروقة المجلس في الوقت الذي كانت زميلة لهم تؤدي اليمين الدستورية.
وتساءل هؤلاء: إذا كانت هذه هي البداية فكيف ستكون الأيام القادمة التي قد تطول إلى أربع سنوات هي عمر الدورة الثانية عشرة لمجلس الأمة!! وكان ثمة أمل يراود الكثيرة منهم من الإشارات التي صدرت من مختلف الكتل النيابية برغبتها في فتح صفحة جديدة مع السلطة التنفيذية، والدفع بالمجلس المنتخب حديثاً ليأخذ طريقه الطبيعي في العملية التشريعية والرقابية.
صحيح أنه قد سمعت «فيتوات» تصدر من هذا الطرف أو ذاك باستخدام مصطلح شاع في الآونة الأخيرة تداوله وهو «تأزيم» حيث كان هذا الفريق أو ذاك يطلق على أسماء بعينها من المرشحين لمسك المنصب الوزاري بأنه يشكل تأزيماً، فعلى الرغم من ذلك ظلت الأجواء متفائلة ولو بحذر من أن الجميع في الكويت ـ قوى سياسية ومستقلين ـ قد اعتبر من حل المجلس السابق، وبالتالي وصل إلى قناعات بأنه لا بد له من السير بطريق التعاون بين السلطتين لتأخذ العملية الديمقراطية مجراها الطبيعي بسلاسة ويسر.
بيد أن ما ظهر في الجلسة الأولى لم يترك لتفاؤل المتفائلين مجالاً، فالأجواء مليئة بالعواصف، ونذر التطاحن بين السلطتين تبدو واضحة في الأفق. وما يدعم هذه النظرة المتشائمة أن حركة الانسحاب تلك قد تمت بعد أن أنصت الجميع لكلام أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الذي أعلن بصريح العبارة أن «تعيين رئيس مجلس الوزراء حق أصيل للأمير وحده، وفقاً لأحكام الدستور لا يجوز لأحد التجاوز أو التدخل فيه».
وحذر بشدة قائلاً: «إننا من منطلق المسؤولية نؤكد أننا لن نسمح لكائن من كان وتحت أي ذريعة أو مبرر أن يمس المصلحة الوطنية في أي من مكامنها الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، لتبقى الكويت محصنة ضد أي فوضى أو فتنة أو خراب».
ولا شك أن انسحاب هؤلاء النواب التسعة في الوقت الذي كانت زميلتهم تؤدي القسم يدل على نظرة متخلفة للمرأة لا زالت مستقرة في وجدان أعضاء الحركة الإسلامية عموماً سنية كانت أم شيعية للمرأة ودورها، وهي نظرة تبتعد كثيراً عن المفاهيم العصرية الحديثة فضلاً عن ابتعادها عن واقع الحياة الفعلي الذي تمثل فيه المرأة الكويتية أكثر من 55% من الصوت الانتخابي، والتي كان للتجمعات الإسلامية نصيب الأسد منها!!
ومن المضحك المبكي في هذا السياق أن لجنة الشؤون التشريعية والقانونية ستبحث في أول اجتماع لها - كما صرح مقررها النائب الجديد ناصر الدويلة - مدى التزام الوزيرتين «باللباس الشرعي أثناء حضور جلسات مجلس الأمة»!!
ويبدو أن «تبرم الحكومة» أصبح واضحاً من الممارسات التصعيدية للحركة الإسلامية، خاصة أن الأخيرة تحاول إحراجها «بمناسبة ودون مناسبة» كما في مسألة «لباس الوزيرتين» المدرجة ضمن «أعمال المجلس»!!
وكان هذا الشعور ظهر جلياً في انتخاب منصب نائب رئيس المجلس الذي تقدم له ثلاثة أعضاء أحدهم النائب خالد السلطان، وهو زعيم السلفيين في الكويت، ونائب فاز بالمقعد النيابي ليعود للمجلس بعد محاولات عدة، فلم يفلح هذا النائب في الفوز بذلك المنصب لعدم تصويت بعض أهم أركان الحكومة له وتفضيلهم للنائب القبلي فهد الميع.
ليست الوزيرتان هما موضع «تأزيم» بالنسبة للحركة الإسلامية، بالذات السلفية منها، بل ثمة وزير آخر هو فاضل صفر، الذي كان نائباً في المجلس البلدي ورشح للأمة وفاز بمقعدها. وموضع الإشكال في هذا الوزير إنه من الذين شاركوا في تأبين «عماد مغنية» وحققت معه النيابة العامة مطولاً.
وقد أدى ذلك التأبين إلى موجة من «الشد والجذب الطائفيين» شهدتهما الكويت قبيل الانتخابات. وقد حذر البعض وعلى رأسهم النائب السلفي المتشدد محمد هايف المطيري (وله قضية قذف أمام القضاء بحق وزير الأوقاف الأسبق) حذر هذا النائب من تزوير من له صلة بحزب الله!!
يأمل المخلصون أن تبقى حركة الانسحاب تلك في صورتها «الرمزية» التي تعبر عن عدم الرضا والقبول، كما ظهرت عليها في جلسة الافتتاح وألا تكون بداية لمناكفة بين هؤلاء والوزيرتين ليتطور الأمر إلى ما لا يحمد عقباه. وأخشى ما يخشاه الحريصون من أن الأمور قد تفلت وأن تعود الكويت إلى المربع الأول الذي ابتدأت منه قبل الحل الأخير، عند ذاك ستكون الحياة النيابية كلها موضع سؤال!!
كاتب كويتي