عندما أعلن جون ماكين المرشح «الجمهوري» للانتخابات الرئاسية الأميركية قبل بضعة أسابيع أنه إذا صار رئيساً للولايات المتحدة، فإنه سوف يعمد إلى تمديد بقاء القوات الأميركية في العراق إلى مئة عام، كان الظن أنه يتكلم على سبيل المبالغة الدعائية أو الفكاهية، السوداء.
لكن تبرز الآن مؤشرات تدل على أنه بصرف النظر عمن يفوز بالمنصب الرئاسي الأميركي، فإن إعلان ماكين الخطير لا ينطلق من فراغ، وأنه أبعد ما يكون عن الدعاية أو الفكاهة، وأقرب ما يكون إلى خطة موضوعة سلفاً يلتزم بها الرئيس المقبل للولايات المتحدة.. «جمهورياً» كان أم «ديمقراطياً».
المؤشر الأعظم هو أنه تجرى حالياً عملية تفاوضية جادة بين فريق حكومي أميركي وفريق مماثل عراقي حول مسودة لاتفاقية تقدم بها الجانب الأميركي بغرض تقنين الوجود العسكري الأميركي على الأرض العراقية لأجل غير مسمى ـ ربما مئة عام كما قال ماكين.
وعلى مدى السنوات الأخيرة ظل بقاء القوات الأميركية في العراق مستنداً إلى قرار استصدرته الولايات المتحدة بعد عملية الغزو في مجلس الأمن الدولي بغرض إضفاء شرعية قانونية على وجودها الاحتلالي، لكن المدى الزمني لهذا القرار ينتهي في 31 ديسمبر من العام الجاري، ومن هناك كان التحرك الأميركي الأخير سعياً إلى الحصول على شرعية جديدة.
ويبدو أن واشنطن لم تلمس استعداداً من مجلس الأمن الدولي هذه المرة لإصدار قرار ثانٍ، ومن ثم كان لجوؤها إلى الحكومة العراقية لحملها على توقيع اتفاقية لتضفي غطاءً شرعياً على الاحتلال. وابتداءً نتساءل: كيف يجوز لحكومة دولة خاضعة لاحتلال أجنبي أن تتفاوض على اتفاقية مصيرية كهذه فضلاً عن التوقيع عليها؟
ويتضاعف مثل هذا التساؤل لدى مطالعة بنود المسودة الأميركية، وإجمالاً تتيح البنود للولايات المتحدة إقامة دولة داخل دولة بإنشاء قواعد عسكرية براً وبحراً وجواً لا سلطان ولا رقابة ولا إشراف بأي حد أدنى عليها من قبل الحكومة العراقية، وفي هذا السياق تسمح البنود للقوات الأميركية بممارسة الاعتقال لأي مواطن عراقي دون استئذان من السلطات العراقية أو حتى مجرد إبلاغها، وذلك باسم «مكافحة الإرهاب».
وتكفل بنود أخرى للقوات الأميركية حرية دخول البلاد والخروج منها دون تدخل من الحكومة العراقية، كما تحظر على السلطات الأمنية العراقية اعتقال أي جندي أميركي أو تقديمه إلى محاكمة في حال أي مخالفة قانونية. وهكذا بعد 60 عاماً من احتلال فلسطين تبرز على خريطة العالم العربي حالة احتلالية أخرى يجري العمل على تقنينها