تشير كافة التطورات التي تلت انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للبنان بعد التوصل لاتفاق الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين إلى صحة التسمية التي أطلقت مبكراً على هذا الاتفاق بأنه «هدنة» وليس اتفاقاً حقيقياً يرسم مستقبل البلاد كما كان يؤمل له أن يكون.

وتشير عودة الوساطة القطرية، بعد تلويح «تيار المستقبل» بتعليق مشاركته في مشاورات الحكومة بانتظار ضبط الوضع الأمني في بيروت، إلى أن الاتفاق ـ الهدنة لا يزال هشاً بصورة قد تؤدي إلى انكساره في أي لحظة. وتجلت هذه الهشاشة بعودة لغة الاتهامات والتراشق الإعلامي بين طرفي الأكثرية والمعارضة، ما يُشكّل المقدمة الضرورية لأي انفجار قادم.

وإدراكاً منه لخطورة الوضع، أعطى الرئيس سليمان تعليمات مشددة للأجهزة الأمنية لمعالجة الإشكالات التي حصلت في اليومين الماضيين وما نتج عنها. كما أوضح رئيس الحكومة المُكلف فؤاد السنيورة أن البحث يجري بالتوازي في الملفين الأمني والحكومي.

لكن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة خصوصاً وأن آثار الأحداث الأخيرة لا تزال ماثلة للعيان في العديد من أرجاء لبنان يتمثل في قدرة أي وساطة على نزع فتيل الانفجار من جديد إذا ما أضرمت النيران فيه. ليس ثمة من شك في أن الفرقاء اللبنانيين كانوا واعين لخطورة الوضع بشكل كبير وهم يتداولون شؤون بلادهم في العاصمة القطرية الدوحة.

إلا أن المؤكد أيضاً أن القواسم التي جمعتهم للتوصل إلى هذا الاتفاق لا تزال أقل بكثير من تلك التي تفرقهم، وخير دليل على ذلك الخلافات التي تعرقل أي ملف يوضع على طاولة البحث. لا تزال صيغة العيش المشترك هشة جداً، وإن كان لا يتحمل طرف لبناني بعينه المسؤولية عن ذلك، فإن المسؤولين اللبنانيين بتمترسهم خلف مواقعهم المبنية على تحالفات ورؤى للآخر ملؤها التخوين والعمالة، فإنهم لا يدركون معنى الشعار الذي رفعه شعبهم عند توجههم إلى الدوحة بالقول لهم: «إذا لم تتفقوا فلا تعودوا».

التجربة اللبنانية حتى اليوم لا تبشر بكثير من الأمل، ما يستدعي ليس تدخل الوساطة القطرية فحسب، بل وعودة المبادرة العربية بزخم إلى المشهد اللبناني، وربما من الأفضل أيضاً إقامة مقر دائم لها في بيروت ريثما يتم تحصين صيغة التفاهم والعيش المشترك بين كل الفرقاء اللبنانيين.