تشهد الساحة الفلسطينية هذه الايام ظاهرة تصالحية لافتة للنظر، فبعد تقديم الرئيس الفلسطيني محمود عباس عرضا بحوار غير مشروط مع حركة المقاومة الاسلامية حماس يضع حدا للانقسام الراهن، ويعيد توحيد الصف الفلسطيني على أرضية الوحدة الوطنية، رحب السيد اسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة بمبادرة الرئيس عباس، وطالب ببدء الحوار فورا لتطبيق اتفاق صنعاء لتنفيذ المبادرة اليمنية، والعودة بالامور الي سابق عهدها.

هذه التصريحات تعطي انطباعا بان الطرفين مستعدان للحوار، وتطبيق الاتفاقات الموقعة، مثل اتفاقات صنعاء ومكة والقاهرة، وهو امر جميل، ولكن نوايا الطرفين الحقيقية ما زالت تتسم بالغموض، لان هناك اطرافا خارجية بادرت الى التدخل، لمنع مثل هذا الحوار ووأده في مهده.

فبعد دقائق معدودة من كشف الرئيس عباس لمبادرته عبر شاشة تلفزيون فلسطين التابع لسلطته في رام الله، اتصلت به السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية هاتفيا، ربما للاستفسار عن الدوافع وراء هذه المبادرة، وحثه على التراجع عنها لان الحوار مع حماس خط احمر بالنسبة الى واشنطن التي تعتبرها حركة ارهابية .

لهجة المتحدثين باسم الرئيس عباس اختلفت بعد مكالمة السيدة رايس. فالدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين في السلطة، قال ان مبادرة الرئيس عباس مشروطة بتراجع حركة حماس عن انقلابها في قطاع غزة، وعدم ذكر هذا الشرط فيها لا يعني اسقاطه.

اما السيد نمر حماد كبير مستشاري الرئيس فقد ابدى فتورا واضحا تجاه رد السيد هنية المرحب بالحوار، والمطالب باجرائه فورا تحت مظلة الجامعة العربية، وطالب بضرورة التزام حركة حماس بتنفيذ اتفاق صنعاء كاملا وفورا، وارسال قوات عربية الى قطاع غزة لضبط الامن، تمهيدا لتشكيل اجهزة امن فلسطينية على اسس مهنية وليس فصائلية.

وربما يكون من السابق لاوانه القول بأن هذا التغيير في مواقف السلطة في رام الله بعد مكالمة السيدة رايس سيؤدي الى عرقلة هذه الروح التصالحية المفاجئة، ولكن من المستبعد ان تقبل الولايات المتحدة باي وفاق بين طرفي المعادلة الفلسطينية الراهنة، بسبب الهوة الايديولوجية الواسعة بينهما.

الادارة الاميركية خيرت الرئيس عباس اكثر من مرة بين العملية السلمية وتبعاتها، او الحوار مع حركة حماس ، ولا يلوح في الافق ان هذا الموقف قد تغير، بل نجده يزداد تصلبا يوما بعد يوم.

لا شك ان مبادرة الرئيس عباس تتسم بالشجاعة من حيث كونها شكلت تحديا للموقفين الاميركي والاسرائيلي تجاه المصالحة مع حركة حماس وتجاوب حركة حماس الفوري والسريع معها، الذي عبر عنه السيد هنية في كلمته التي القاها امس سيعطيها دفعة جديدة تساعد على تطبيقها على ارض الواقع.

الرئيس عباس رفض ضغوطا اميركية بمقاطعة قمة دمشق، واصر على المشاركة فيها طوال فترة انعقادها، والمأمول ان يتخذ الموقف نفسه، ويرفض الضغوط الاميركية التي تريده ان يظل اسير عملية تفاوضية فاشلة ومهينة، ويواصل مبادرته لاعادة ترتيب البيت الفلسطيني.