اتصل عدد من القراء يعلقون على مقال أمس الذي كان عنوانه «هل يسرق الإنسان وطنه؟» متأثرين بالعنوان، خاصة وقد أشار المقال إلى التحقيق الذي يجري مع أحد وزراء الدولة في قضية خيانة أمانة، وتساءل القراء: لماذا نستبق الحكم على أفراد لم تثبت إدانتهم؟ وهل يمكن أن يسرق الإنسان بالفعل وطنه؟
لذا فإننا نقول لقرائنا إننا لم نستبق الأحداث ولم نحكم على الوزير لأن ذلك ليس من اختصاصنا، أما التعليق على القضية فيبقى مشروعاً طالما أنها أثيرت للرأي العام الذي يمكنه التعليق على الفكرة نفسها سواء صح الاتهام أو لم يصح، خاصة وأن هذا النوع من القضايا ـ كخيانة الأمانة واستغلال النفوذ والفساد ـ أمر لا يخلو منه أي مجتمع يضم أفراداً متفاوتين في أمانتهم، وتنعكس آثاره على عمل الفرد وسمعته وإن كان الاتهام في أمر شخصي.
نعم.. يسرق الإنسان وطنه عندما يقوم بممارسات تسيء لدولته حتى وإن كان ذلك خارج إطار عمله، ويسرق الإنسان وطنه عندما يستغل نفوذه لمصالحه، وعندما يمد يده تحت الطاولة ليتقاضى أجراً على عمله، وعندما يقصر في خدمة وطنه، وعندما يتستر على شخص يسيء لوطنه، وعندما يكون كفيلاً نائماً يغامر بمصالح وطنه، وعندما لا يخلص ولا يؤدي واجباته، فلماذا نستغرب اليوم لفظ السرقة عندما نتحدث عن ممارسات تمس مصالح وسمعة الوطن؟.
نعم أتفق مع القراء في أن «سرقة الوطن» تعبير قاس وموجع، لكن المؤلم بصورة أشد وأكبر هو وجود مسؤولين يسيئون بالفعل إلى الوطن بممارساتهم تلك التي تضعهم ومؤسساتهم ووطنهم في مواقف محرجة. لا نقصد بحديثنا هذا الوزير المتهم الذي لا يمكن إطلاق الأحكام عليه.
بل نقصد آخرين مازالوا يعملون تحت الظل ولم تنكشف ممارساتهم المشينة في حق أوطانهم بعد، ولم تعرض ممارساتهم تلك على الرأي العام، لكن المساءلة والمحاسبة التي ستجري مع الوزير المتهم ومن سبقه من المسؤولين ستكون رادعة، وستضع حداً لمن اتسعت ذممهم لسرقة أوطانهم وخيانة أمانة أفراد يعيشون معهم على أرض واحدة وتحت سماء واحدة.
في العام الماضي أصدر «البنك الدولي» تقريراً احتلت الإمارات فيه المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث مكافحة الفساد ونوعية الأطر التنظيمية والفعالية الحكومية. وفي دراسة أجرتها «منظمة الشفافية الدولية» بشأن معدلات الفساد في العالم جاءت الإمارات في المرتبة الأولى عربياً والحادية والثلاثين عالمياً من حيث مكافحة الفساد والالتزام بمعايير الشفافية الاقتصادية.
هذه المراتب التي حققتها الإمارات تفرض عليها الشفافية والمساءلة التي يمكنها أن تقضي على أي مظهر من مظاهر خيانة الأمانات أو الفساد في القطاع العام وحتى الخاص. فالشفافية والمساءلة ومحاكمة المسؤولين والمؤسسات والشركات أيا كانت جنسياتهم محاور أساسية في التنمية والتطور، خاصة في ظل السياسة التي تنتهجها الدولة وما حققته من تقدم يستدعي رقابة ومحاسبة أكبر من الأجهزة المعنية.
لتضع حداً لممارسات خاطئة من الممكن أن تسيء للدولة ومؤسساتها، وتنخر في أمانة مجتمعها رغم أنها فردية، فالتساهل فيها ربما يؤدي إلى دعم فئة تجد في الفساد وسيلة لتيسير أمورها في دولة لا نستطيع أن نقارنها بدول أخرى تقتر على أبنائها، وهو ما لا تفعله الإمارات الكريمة دائماً مع أبنائها وغير أبنائها، فهل يكون جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
