قام فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء الروسي، ورئيس الدولة الروسية حتى يوم 8 مايو الماضي بزيارة «دولة» إلى فرنسا يومي 29 و30 من الشهر نفسه. كانت تلك أول زيارة رسمية له إلى خارج منطقة «الجمهوريات السوفييتية» السابقة بعد توليه المنصب الجديد. فلماذا خصّ إذن فرنسا بهذه الزيارة الأولى؟

ولماذا لم تكن مثلا لألمانيا، البلد الصديق والحليف الأقرب إلى روسيا في أوروبا؟ أو لماذا لم تكن لإيطاليا حيث وصل صديقه الشخصي «الحميم» سيلفيو برلسكوني إلى الحكم قبل أسابيع قليلة؟ من المعروف عن بوتين أنه «يجيد الحساب» وبالتالي لديه أسبابه «الوجيهة» الموجبة للزيارة. وقبل «الخوض» في هذه الأسباب من اللافت للانتباه بعض الملاحظات على صعيد «الشكل».

لقد دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رئيس وزراء روسيا فلاديمير بوتين إلى تناول العشاء في قصر الاليزيه. هذا ليس شائعاً في الأعراف الدبلوماسية الفرنسية أن يدعو رئيس الجمهورية رئيس وزراء دولة أجنبية؛ ربما إلا إذا كان اسمه فلاديمير بوتين. وعلى صعيد الشكل أيضاً جرى استقبال بوتين كرئيس دولة. وكإشارة فقط السياسة الخارجية في روسيا، وفي فرنسا أيضا، هي من اختصاص رئيس الدولة.

وفيما هو أبعد من الشكل، بدا واضحا حرص فلاديمير بوتين على أن يقول لمن يسأله، بل وحتى دون سؤال، إن رئيس روسيا اليوم اسمه ديمتري ميدفيديف، خليفته. لكن المهم «ليس توزيع الأدوار» وإنما تحديد «الأهداف المشتركة» حسب تعبيره.

والتأكيد أيضاً بالوقت نفسه أن الوضع الجديد لا يكبح حرية حركته للتدليل على أن «الديمقراطية على الطريقة الروسية» فاعلة وذات مصداقية «مثل غيرها» ومثل فرنسا «أحد معاقلها». لقد تحدث بوتين بالطبع مع المسؤولين الفرنسيين الذين التقاهم عن المبادلات الاقتصادية والتعاون، ولهذا السبب اصطحب معه «حفنة» من كبار رجال الأعمال الروس. ولكن هذا، على أهميته لم يكن في صميم أهداف الزيارة.

إن فرنسا سوف تتولّى في مطلع شهر يوليو المقبل رئاسة الاتحاد الأوروبي ولمدة ستة أشهر تالية. هذا الأمر قد لا يكون بحد ذاته ذا أهمية خاصة بالنسبة لموسكو لولا أن فترة الرئاسة الفرنسية ستشهد المفاوضات حول «الاتفاق بين روسيا والاتحاد الأوروبي». هذه المفاوضات ستبدأ، كما يُفترض، يوم 27 يونيو الجاري ؛وهذا في صميم الزيارة.

إن روسيا تطمح إلى إيجاد «مرتكزات قانونية» في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بل وتوقيع «معاهدة جديدة»، حسب تعبير فلاديمير بوتين نفسه في مقابلة له مع صحيفة لوموند الباريسية. وفرنسا التي تقيم علاقات وثيقة مع بلاده، خاصة منذ عهد الرئيس السابق جاك شيراك، تستطيع أن تلعب دورا إيجابيا في هذا السبيل.

كذلك تسعى روسيا إلى إعطاء «صفة استراتيجية» لعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي الذي يمثل «المجال الطبيعي» للتحرك الروسي. على سبيل المثال تؤمّن روسيا الآن 15 بالمئة من الاستهلاك الأوروبي من النفط و30 بالمئة من الغاز الطبيعي.

وقد يكون من المهم التذكير هنا أن روسيا كانت قد اعترضت بقوة، ولا تزال تعترض بقوة، على توسيع إطار الحلف الأطلسي اقترابا من حدودها. ولم يتردد بوتين في القول أثناء مقابلته المشار لها إنه يعتبر أن توسيع إطار الحلف الأطلسي يعني «ترسيم حدود جديدة في أوروبا، ونصب جدران جديدة على غرار جدار برلين، غير أنها ليست مرئية هذه المرة، ولكنها ليست أقل خطرا».

فرنسا لن تكون مهمتها حيال هذا الملف، خاصة فيما يتعلّق بانضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف الأطلسي. هذا الانضمام ترفضه روسيا بشكل قاطع مانع، بينما تؤيده بولندة والجمهورية التشيكية وبلدان البلطيق الأعضاء كلها في الاتحاد الأوروبي، وتطالب بنهج متشدد حيال روسيا؛ إنه «الثأر» من الماضي القريب.

أمّا فرنسا فقد حافظت حتى الآن على موقفها الرافض لانضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف الأطلسي مما يصب في «طاحونة» موسكو ولكنه يُغضب «الأشقاء» الأوروبيين الجدد و«الحليف» الأميركي. لكن إذا كانت روسيا تهدد وتتوعد وتحذّر من توسيع الحلف الأطلسي باتجاه حدودها فهي بالمقابل «تقبّلت».

بل و«وجدت مصلحتها» في توسيع إطار الاتحاد الأوروبي الذي يبلغ طول حدودها المشتركة معه حوالي 2200 كيلومتر، وحيث أكد القادة الروس بأشكال مختلفة أنه لا بديل عن الشراكة. الوجه الآخر للاقتراب مع الاتحاد الأوروبي يعني بالنسبة لروسيا التأكيد على رغبة موسكو في أن تؤخذ مصالحها وتحفظاتها بالحسبان من قبل أوروبا. ولا شك أن فرنسا نفسها تريد أن تلعب هذا الدور فهو في مصلحتها أيضا.

وبنفس الوقت تراهن روسيا على النهج السياسي المستقل لفرنسا التي تمثل «الصواب الأوروبي» الذي يمكنه أن يقول «لا» للولايات المتحدة «إذا دعت الضرورة إلى ذلك». وكان للولايات المتحدة «إذا دعت الضرورة إلى ذلك». وكان بوتين قد أشار إلى ذلك بوضوح عندما قال «إن فرنسا انتهجت دائما سياسة مستقلة وآمل أن يستمر ذلك».

لقد حاول بوتين بوضوح أن يضع «منطق التحالف والشراكة» الذي تدعو له روسيا في مواجهة «منطق الكتل العسكرية-السياسية»، الذي «يعرف الجميع أين يتم اتخاذ القرارات فيه، حيث كاد أن يقول «إنه واشنطن». يجدر التذكير هنا أن المواقف الفرنسية والروسية كانت على توافق كبير خلال السنوات الأخيرة فيما يخص الملفات الكبرى مثل معارضة الحرب الأخيرة ضد العراق وحول مجمل قضايا الشرق الأوسط.

وعلينا أن لا ننسى أن روسيا وفرنسا، والولايات المتحدة هي البلدان الوحيدة في العالم القادرة على تصدير التكنولوجيات النووية المدنية. وهذه سوق بدأ السباق عليها محموما إذ لا يمر أسبوع تقريبا منذ فترة إلا ونسمع أن اتفاقا للتعاون النووي المدني قد جرى عقده، وهذا مثلا كان أحد الاقتراحات التي حملها الرئيس الفرنسي في جعبته عند زيارته الأخيرة للمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر... والقائمة لم تنته... إن التفاهمات الثنائية أسهل على خلفية المصالح خاصة إذا كانت مثمرة.

بالاعتماد على ما سبق قد لا يكون من المبالغة القول إن زيارة بوتين إلى فرنسا تكتسي أهمية أوروبية وعالمية. إن البلدين عضوان في مجلس الأمن الدولي ولهما صوتهما في مسائل السلم والحرب في العالم الذي نعيش فيه.

كاتب سوري - باريس

mohaklouf@yahoo.fr