يمر العالم المالي في الوقت الراهن بأزمة مالية مغايرة للأزمات الاقتصادية التقليدية التي لا تتعدى المؤسسات المصرفية أو الأسواق المالية، ويميزها قصر المدة وعدم تداخلها مع معطيات المنظومة الاجتماعية بصورة مباشرة وفق ما يعرف بعمق الأزمة.
وأشهرها أزمة الاثنين الأسود عام 1987 التي أدت إلى هبوط حاد في أسواق المال العالمية بدءا بهونج كونج إلى نيويورك ولندن وغيرها من مدن العالم، ثم الركود الاقتصادي الأميركي عام 1990 ـ 1991 والركود الاقتصادي عام 1981 ـ 1982.
والتي كانت غالبيتها أزمات مالية تتميز بالقصر ونتاج توجهات استثماريه معينة، مع عدم تداخلها في كافة مجالات الحياة الاجتماعية. أما ما نراه اليوم فهو تداخل اقتصادي اجتماعي تعدى في حدته الاستثمار إلى ضروريات الحياة اليومية من سلع وخدمات.
إن معطيات الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الولايات المتحدة، والتي ألقت بظلالها على مراكز مالية مهمة كالمملكة المتحدة، من خلال تعثر الأداء المصرفي وانعكاساته على السوق العقاري والاقتراض المصرفي وصولا إلى السيولة المصرفية مع الإقراض غير المدروس، نتجت عنها أزمة اجتماعية فرضت على صناع القرار مراجعة الأداء المالي وكفاءته في متابعة وتقييم الحياة الاقتصادية.
بالإضافة إلى ضرورة فك رموز الأزمة من خلال تبني سياسة داخلية تمثلت في إشراك كافة المؤسسات المالية ومراجعة التشريعات المالية والرقابية، بل وإشراك النخب الاقتصادية لتفادي الأضرار الاجتماعية. وعلى الصعيد الدولي قام رئيس الوزراء البريطاني بزيارة للولايات المتحدة للاجتماع بالنخب المالية وبحث أسباب الأزمة التي زادت حدتها معطيات كالبطالة والغلاء وضعف الثقة الاستثمارية وارتفاع سعر الغذاء.
أما الأسباب التي جعلت الأزمة الحالية مغايرة للأزمات المالية السابقة، فهي:
1 ـ أنها حدثت في قطاعات عدة مع أداء اقتصادي جيد بل وبيئة استثمار إيجابية.
2 ـ ركود اقتصادي سببه قرارات وسياسات اقتصادية، بينما في السابق كانت أسبابه خارجية كالحروب أو الكوارث الطبيعية، أي خارجة عن القرار الاقتصادي.
3 ـ ركود مالي سببه الاستثمار المفرط وليس عزوف المستثمرين.
4 ـ الركود الاقتصادي تعدى الإضرار بالاستثمار إلى الإضرار بالاستهلاك من سلع وخدمات.
5 ـ أزمة مالية لم يعالجها تخفيض سعر الفائدة، وليس سببها الرئيسي ارتفاع سعر الفائدة.
6 ـ حالة من زيادة الناتج القومي مع ارتفاع نسبة البطالة.
7 ـ أن زيادة سعر الوقود ليس سببها الدول المصدرة ولا قلة الإنتاج، وإنما الدول المستهلكة وخاصة أوروبا من خلال الضريبة التي تفرضها تلك الدول.
أما الأسباب الرئيسية المؤدية للازمة الاقتصادية الحالية فتأتي من خلال عدة عناصر تعود في أغلبها للعنصر البشري (الثقة ـ التردد ـ التشاؤم) وليس لعناصر مادية اقتصادية، بل جوهرها غياب التحليل الاقتصادي للمنظومة المالية، وهي كالآتي:
1 ـ سياسات مالية خاطئة في التعامل مع الأسعار بشكل يدعم الطلب عليها ويضمن استمرار النمو الاقتصادي، فخفض أسعار السلع والخدمات عند مستوى يحقق الطلب يعد داعما للنمو الاقتصادي، كما أن تغير السلوك الاستثماري في القطاع الخاص يؤثر إيجابا أو سلبا على الطلب.
2 ـ قلة المعلومات حول الآثار المترتبة على القرارات المالية لدى صناع القرار المالي أثر سلبا على الوضع المالي، كون القرار المالي الجيد يرتبط بالمعلومات المتوفرة حوله.
3 ـ الثقة في أن الاقتصاد قادر على تخطي مرحلة الأزمة وان الأزمة قصيرة والأوضاع سوف تعود للاستقرار في أسواق سريعة التغير مع عولمة الظاهرة، أدى إلى إهمال الأزمة واتساعها لتشمل مناحي اقتصادية أخرى.
4 ـ تأخر الدعم الحكومي للقطاعات المالية ودعم الإنفاق الاستهلاكي وزيادة الاستهلاك العقاري.
5 ـ ارتفاع أسعار الوقود قلل من القيمة الشرائية للنقود ولم يقلل استهلاك الوقود، بل دفع المستهلك إلى التخلي عن سلع وخدمات لم يرتفع سعرها.
6 ـ ضعف أداء المصرف المركزي في الإقراض مع ضعف التشريعات في مجال الإقراض البيني بين المصارف المحلية أو الخارجية، بالإضافة إلى قلة المعلومات المتوفرة للمستثمرين أو المودعين عن الوضع المالي للمصارف.
7 ـ زيادة الصادرات في ظل انخفاض الدولار كعامل يخدم المنتج الأميركي، مع بقاء كافة القطاعات المالية في انخفاض ساهم في غياب الموازنة الفعلية للاقتصاد.
8 ـ ضعف أداء البنك الدولي بوصفه المنظمة الدولية المسؤولة عن استقرار وثبات الاقتصاد الدولي وتأخره في مساعدة الدول النامية.
9 ـ تبني فكرة الإدارة الذاتية على عمومها في ما يتعلق بالمؤسسات المالية أدى إلى غياب الإشراف الحكومي أو ضعفه، خصوصا حيال التبادل المالي الدولي.
أخيرا، مع وجود أزمة اقتصادية عالمية منشأها المسؤولية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، إلا أنها لم تؤثر على القوى الاقتصادية الناشئة كالصين والهند للأسباب التالية:
1 ـ الاقتصاد الصيني يقوم على رؤى اقتصادية مغايرة بعيدة عن الصادرات والواردات، جوهرها صناديق الاستثمار الخارجية، ما أعطى الصين حصانة اقتصادية ضد تقلبات السوق العالمي وقلل من إمكانية التحكم المباشر في اقتصادها، بالإضافة إلى تشريعاتها المصرفية وسعر صرف العملة.
2 ـ أما الاقتصاد الهندي فإن مستثمره لا يؤمن بالمصارف والبورصات بالدرجة الأولى، بل يقوم على ركيزة الادخار على شكل معادن ثمينة أولها الذهب أو على شكل عقار، جعل الآخر في مأمن من تقلبات السوق بالإضافة إلى سياسة دعم الطبقات كدعم اجتماعي.
3 ـ أما النظرية المالية في باقي دول العالم فهي بعيدة عن التأثير وأقرب للتأثر، وخير دليل ما نراه في بعضها من مظاهرات حول ارتفاع الغذاء، فما زالت الرؤية غير واضحة بين أتباع سياسة السوق الحر والبعد عن الدعم أو تبني النظرية الاشتراكية وقيام الدولة بتحمل تقلبات السوق ودعم كافة السلع.
تبقى الضرورة الملحة أمام دول الخليج العربي لإدراك أهمية إيجاد قيم اقتصادية لكل قطاع مالي، مع إيجاد مؤسسات لقياس أداء المؤسسات المالية وفق استراتيجية اقتصادية ذات أبعاد اجتماعيه، بالإضافة إلى تطوير مفاهيم الشفافية ودعم الثقة الاستثمارية من خلال تشريعات مالية قادرة على تحقيق الثبات الاقتصادي.
باحث في الاقتصاد الدولي