في ظل غموض السياسة العربية والتباس دور الإعلام العربي، في مواجهة الهجمة الصهيوأميركية السياسية والإعلامية والثقافية والعسكرية والاقتصادية على هذا الشرق العربي الإسلامي، تبقى علاقة الإعلام بالسياسة وعلاقة السياسة بالإعلام في الوطن العربي غير مطمئنة في ظل حالات مرصودة من الارتهان والاختراق والتبعية، وأصبح السؤال المطروح الآن هو هل يصلح الإعلام ما تفسده السياسة.. أم تصلح السياسة ما يفسده الإعلام؟!

ومحاولة الإجابة تعيدنا إلى عهود قريبة في الوطن العربي حين كانت بحار السياسة بأمواجها المتقلبة وأعاصيرها الغاضبة تفصل بينما كانت أنهار الصحافة هي التي تربط وتوحد، وحينما كان يختلف الحكام كانت وسائل الإعلام هي ساحات اللقاء ومنابر الحوار التي تجمع بين الشعوب العربية على الأرض المشتركة وتصلح ما تفسده السياسة على مستوى الحكومات، ومرت مرحلة تبادلت فيها الصحافة والسياسة الأدوار.

فأصبحت السياسة توحد أحيانا ما تفرقه الصحافة وتصلح ما يفسده الإعلام، بينما تفسد الصحافة غالبا وبعض أجهزة الإعلام ما تبنيه السياسة، ولهذا نتطلع إلى اليوم الذي تتكامل فيه الأدوار بين السياسة والصحافة برسالة استقلالية تضامنية توحيديه بين أجزاء الوطن العربي الواحد الصغير والكبير على السواء.

وفى ظل ما نشهده من رسائل إعلامية مريبة من بعض وسائل إعلامية غربية وعربية مكشوفة تسعى إلى تلوين الخلافات السياسية بألوان عرقية ومذهبية وطائفية ومذهبية بين أجزاء الأمة العربية وبين أوطان الأمة الإسلامية، وبين أقطار الوطن العربي الواحد الذي مزقته بالأمس خرائط المستعمرين القدامى في «سايكس بيكو» الأولى، والذين يحاولون اليوم في سايكس بيكو الثانية «شارون ـ بوش»، زرع الفتنة بين القوى السياسية الوطنية لتمزيق الوحدة الوطنية لكل وطن عربى يناهض مشاريع المستعمرين الجدد.

وحيث تسعى السياسة الصهيونية الأميركية إلى اقتتال قوى الوطن وأجزائه لرسم خرائط جديدة بجدران وهمية عازلة بين قوى الوطن الواحد، ولتكريس فصل العرب عن العرب باسم السيادة القطرية وباسم الاعتدال والتطرف السياسي والمذهبي، ولنسف الجسور بين العرب والمسلمين، وزرع الفتنة بين المسلمين والمسلمين، وذلك بصناعة الخطر البديل، العراقي تارة والإيراني تارة أخرى.

وبالتحذير من خطر المقاومة الوطنية ضد الاحتلال سواء السنية في فلسطين أو الشيعية في لبنان، لتحويل الأنظار عن الخطر الحقيقي المتمثل في الاحتلال الصهيوأميركي لفلسطين ولبنان والعراق، بهدف تحقيق مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بهيمنة أميركية وقيادة إسرائيلية! من هنا يصبح المطلوب هو سياسة عربية توحيدية تحريرية نهضوية، بالاستقلال عن المشروع الأميركي الصهيوني.

وبالعمل على توحيد المواقف العربية في إطار استراتيجية سياسية واحدة يتضامن فيها الكل مع كل جزء يتعرض للاحتلال أو للعدوان أو للتهديد بالعدوان. ويصبح المطلوب إعلاما عربيا توحيديا نهضويا مستقلا، يقوم بدور الجسر والمحاور والمعبر عن كل الآراء والتيارات الوطنية بهدف التقريب والتوحيد، وليس لتكريس الخلافات وتعميق الفجوات، والتعبير عن تطلعات الشعب العربي بما يبني لا بما يهدم وبما يوحد لا بما يفرق وبما يقاوم لا بما يساوم وبما ينير الجماهير لا بما يخدر أو يثير.

وبينما تغدو السياسة أحيانا غير حكيمة بحظرها للآراء أو كسرها للأقلام أو بصم آذانها عن سماع الرأي المعارض وباهتمامها بما يفرق وبتجاهلها لما يوحد يغدو الإعلام أحيانا غير رشيد حين تستوقفه الصغائر ولا تقلقه الكبائر، بل حين يهول الصغائر ويهون الكبائر غالبا، وحينما يستهويه تحويل الصغائر إلى كبائر!.

mamdoh77t@hotmail.com